عن سجون تركيا وأشياء أخرى

وكأن على حركات التحرر المفاضلة ما بين ديكتاتور وديكتاتور، لتخرج من حضن الأول لتقع في حضن الثاني، وهكذا كان حال فصائل سورية خرجت من عباءة بشار الأسد، لتحتمي بعباءة رجب الطيب أردوغان.

أردوغان، ذاك الرجل الذي مازال يعتقد بأنه سلطان العالم الإسلامي، والذي لابد وأن سجونه ممتلئة بالمناضلين الأتراك، وهي سجون لاتماثلها في البشاعة والقسوة، سوى سجون خصمه بشاار الأسد.
تعالوا لنقرأ بعضًا من رواية " المبنى الحجري وأماكن أخرى" تلك الرواية التي كتبتها أسلي إردوغان ".

الكاتبة لم تفاجأ وهي تشاهد نفسها تتحول إلى بطلة من أبطال قصتها، تنبأت بكل ما يحدث قبل وقوعه، لم تظهر على وجهها الصدمة والشرطة تحملها إلى أحد سجون إسطنبول لتقضي أشهراً من الألم، كل ما كان يشغلها أنها لا تستطيع ترجمة هذا الكابوس على الورق.

"أنا ضحية قررت أن أقف بجانب الضحايا "، بتلك الكلمات تحدثت أسلي عن نفسها بعد أن أمضت عدة أشهر في السجن إلى جانب مئات آخرين بينهم صحافيون.
.
بالنيابة عن 300 ألف شخص يتواجدون في سجون إردوغان، تحلم أسلي بالحرية، وإطلاق سراح الجميع، وعودة العدل المفقود إلى بلدها. بسبب ما تكتبه في صحيفة أوزغور غوندم عن أوضاع السجناء، قررت الحكومة التركية أن تعاقبها بالسجن لتعيش في الجحيم على مدار عدة أشهر في قيودها.

قالت: " في 2016 عندما تم القبض عليَ كان هناك 160 ألفًا فقط من السجناء، تركيا تحطّم رقمًا قياسيًا تلو الآخر، يوجد 170 صحافيًا في السجن، إضافة إلى العديد من أعضاء ومسؤولي الأحزاب الكردية".
أضافت: "إنهم يبنون سجونا جديدة. بحلول 2021، ستزيد قدرة استيعاب السجون إلى نصف مليون.. الوضع محزن للغاية".

مع هولجر هاينمان على شبكة دويتشه فيله الألمانية تحدثت الكاتبة التركية عن أوقاتها في سجن إسطنبول، وروايتها التي حكت فيها قصص أشخاص تعرضوا للتعذيب في السجن، ما جعل الخوف يصبح رفيقهم إلى الأبد.

قالت: "بينما بدأت أؤلف الكتاب، لم أكن في السجن. كانت لدي بعض الخبرة مع الشرطة التركية، لكن لا شيء أكثر من ذلك. قرأت تقارير وتحدثت إلى العديد من الأشخاص الذين تعرضوا للتعذيب. عندما استمعت إلى هؤلاء الناس، أدركت أنه كان هناك المزيد بين السطور".

رغم المعايشة الواقعية لتجربة السجن في تركيا، تعترف أسلي أنها لا تزال غير قادرة على توصيف الآلام النفسية التي يعانيها الضحايا.

أضافت: "كنت أعتزم ككاتبة أن أجد لغة يمكن أن تقول ما لا يوصف. بعض الأشياء لا يمكن أن تُقال. حتى لو كنت قد تعرضت للتعذيب بنفسك، يظل هذا الجزء منك إما صامتًا أو لا يتوقف عن الصريخ. الشخص المعذب ليس راويًا جيدًا. الصدمة لا تحكي القصص".

في المقدمة التفصيلية لروايتها قالت أسلي إنها احتاجت الكثير من الوقت لتعبر عن معاناتها، وأنها استغرقت عدة أشهر لكتابة المقدمة فقط، واضطررت الى تأجيلها مرارًا، وأكدت أنها بمجرد البدء في الكتابة، أُصبت بالأكزيما، وهي حالة مرضية تصيب الجلد بالحكة وتحول لونه للأحمر، وقالت أسلي تعليقا على تلك الحالة: " بالكاد كان يمكنني لمس القلم".

تابعت: "كان لدي اثنتان من الأزمات النفسية.. انفجرت في البكاء أثناء الكتابة. لكن في النهاية، فكرت أنها خطوة ضرورية. إذا التزمت الصمت، لا يمكنك الخروج من الزنزانة".

استطردت :"كل ما أكتبه يحدث، إما لنفسي أو للآخرين. هذا الشعور بالتنبؤ يخيفني، حيث غالبًا ما ترتبط الأشياء السلبية بهذه النبؤة. لم أفاجأ عندما سجنت. كنت أعرف أن ذلك سيحدث".

تعيش أسلي في ألمانيا منذ عام 2017، وحول بقائها هناك تؤكد أنه مؤقت وأنها تنتظر الانتقال لمكان أخر، رغم أنها مازالت ملاحقة.

أوضحت: "بالنسبة لي، الحياة انتقال وجسر. أنا لم أستقر هنا. الجناة في تركيا يأخذون وقتهم. لم تُغلق قضيتي بعد، رغم مرور عامين ونصف العام.. أحاول ألا أستقر هنا حتى أكون مستعدة لملء حقيبتي مرة أخرى.. ليس من السهل أن تعيش مثل هذا الوضع".

حول إمكانية عودتها إلى تركيا قالت: "لا. ربما سأذهب إلى مكان أخر. بدأ الأمل في أن أكون قادرة على العودة إلى تركيا يخفت. واقعيًا، يجب أن أخطط للبقاء في الخارج لمدة عشر سنوات على الأقل. هناك عقوبات صارمة للغاية بالنسبة لأولئك الأشخاص الذين يخضعون للمحاكمة في تركيا هذه الأيام".

آسلي أردوغان أضافت في مقابلة مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية: أن" التعذيب يجري بشكل ممنهج ويومي في سجون النظام التركي".

وأردفت"لقد سجنت في تركيا وقضيت جزء من المدة في سجن انفرادي، والعزلة الاجبارية نوع من التعذيب ولن تشعر بمدى بشاعتها إلا عندما تعيشها".

وأكدت أنه لايمكنها نسيان الرعب الذي عاشته في سجون أردوغان، مشيرة إلى أنها خارج السيطرة تماما وتفتقر لحكم القانون الذي بات غير موجود في تركيا.

" كان مخيفا أن انهار بشكل تدريجي في سجني الانفرادي.. لم أكن أتحدث مع أحد لأيام، كانت عيني تتعرض للإرهاق بشكل كبير، وعضلاتي تتيبس".

وأوضحت الكاتبة التركية:" كانوا يحاولون كسري بشكل تدريجي.. أيامي في الحبس الانفرادي كانت الأسوأ على الاطلاق".

ووصفت زنزانتها بأنها "كانت قذرة بشكل رهيب، السرير كان سيئا للغاية ورائحة البول في كل مكان".

وحول حكم أردوغان، قالت الكاتبة التركية "هو ديكتاتور بالتأكيد.. حينما يقرر شخص واحد أن يسجنك بدون سبب أو يفصلك من عملك، فهذا ليس نظاما سلطويا، بل أسوأ بكثير من ذلك بكثير".

واستطردت "أنا أفضل الحديث عن نظام أردوغان بوصفه فاشية.. لأنه يعتقد ببساطة من الصواب أن يضر بحياة الأشخاص المعارضين، وتقويض عملهم ومصادرة حريتهم.. هذا الإيمان العميق بأن القمع وإلحاق الضرر بالآخرين صواب، يجعل النظام فاشيا".

ولفتت إلى أن التعذيب والقمع في تركيا "يبدأن من رأس النظام.. الشرطة والقضاء يدورون في فلك النظام، ويرتكبون الفظائع باعتبارها أوامر آتية من أعلى.. كل فرد في الشرطة والقضاء هو أردوغان صغير".

وأواخر أبريل/نيسان الماضي، قالت آسلي أردوغان في تصريحات صحفية: إن هناك ٣٠٠ ألف معتقل في سجون أردوغان.

رغم الإفراج عنها لاتزال أسلي متهمة بـ"تحريض الناس"، فيما تعيش في منفاها بألمانيا بعد أن فازت بجائزة سيمون دي بوفوار عام 2018 عن قصتها "المبنى الحجري وأماكن أخرى" والتي تروي من خلالها مآسي الضحايا في سجون إردوغان، الذين تتضاعف أعدادهم منذ الانقلاب المزعوم في تركيا منتصف 2016.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©

تركياسجونأردوغانالديكتاتور