picture

أحمد العبد الله

اليمين المتطرف في أوروبا واللاجئين

تمثل الهجرة حالة إنسانية لم تنقطع منذ ظهور البشرية على سطح الأرض، وشكلت فرصة للاتصال والتبادل المعرفي بين الشعوب، وبخاصة بالنسبة إلى الحضارة الأوروبية التي ترتفع الأصوات فيها يوماً بعد يوم للحد من هذه الهجرة بشكل كامل في عدد من الدول، بعدما كانت الإجراءات السابقة تقتصر على تحديدها بهدف الحصول على فوائدها والتقليل قدر الإمكان من نتائجها السلبية. تتربع دولة المجر "هنغاريا" على رأس الدول الأكثر تشدداً في التعامل مع ملفات الهجرة واللجوء، عبر سلسلة من القوانين المجحفة بحق المهاجرين التي لم يكن بالإمكان تخيلها تحت مظلة الاتحاد الأوروبي قبل سنوات من الآن، وعلى الرغم من أن هنغاريا لم تعد تشكل حالة فريدة في هذا الموضوع، بعد انضمام دول أخرى مثل بولندا والتشيك وإيطاليا والنمسا، إلا أنها تعد الأكثر تشدداً وتحقيراً للمهاجرين في ما يتعلق بالخطاب السياسي لبودابست، وهو ما يشكل خطراً على الحقوق المعترف بها للمهاجرين واللاجئين، يصل إلى تهديد الحق بالحياة. ولعل الخوف من المهاجرين ناتج بالدرجة الأولى من أسباب اقتصادية، ذلك أن المجر تعد من الدول الفقيرة ضمن الاتحاد الأوروبي وهي ما زالت تعتمد بشكل كبير على القطاع الزراعي، وقد انتقلت حديثا في عام 2004 من كنف الاتحاد السوفياتي والمحور الروسي إلى السوق الأوروبية. ويعيش أكثر من ثلاثة ملايين هنغاري كمهاجرين في دول أخرى، من أصل عشرة ملايين ونصف هم عدد السكان. وبدأت السياسة الصارمة تجاه اللاجئين في هنغاريا منذ عام 2010، إثر تغيير الحكومة برئاسة فيكتور أوروبان، وذلك لأن المجر تمثل الحدود الخارجية لمنطقة الشنغن، ما وضع مزيداً من الضغوط عليها من قبل الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي ترغب في المحافظة على سيادتها وإبعاد طالبي اللجوء غير المرغوب فيهم قدر الإمكان، وبناء على ذلك لا تتحمل الدول الأوروبية الغنية مسألة التصدي للاجئين وتظهر بأنها تحترم القيم الإنسانية أمام شعوبها والشعوب الأخرى. فعلى الرغم من الخلاف الكبير بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وأوروبان، إلا أنها قالت خلال مؤتمر صحافي جمعهما مؤخراً إنه "قام إلى حد ما بالعمل بالنيابة عنا" عندما فرض رقابة مشددة على حدود بلاده مع صربيا، مع أنها كانت تنتقده في 2016 بسبب إغلاقه "طريق البلقان" التي كان يقصدها أغلب المهاجرين القادمين من اليونان من أجل أن يبلغوا دول غرب أوروبا. من جانبه دعا أوروبان برلين إلى إبداء امتنان أكبر تجاه المجر التي تفرض رقابة مشددة على حدودها الجنوبية مع كرواتيا وصربيا وإلا "فإن 4 إلى 5 آلاف مهاجر سيصلون إلى ألمانيا كل يوم"، مضيفا "هذا هو التضامن". وفي دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث، فإن المجر تعتبر الدولة الأكثر رفضاً، والأكثر عنصرية ضد اللاجئين، إذ يرى 76 في المئة من المجريين أن وجود اللاجئين في بلادهم سيزيد من حوادث الإرهاب في هذا البلد، ويرى 82 في المئة منهم أن اللاجئين يمثلون عبئاً على اقتصاد المجر، لأنهم سيأخذون المنافع الاجتماعية والوظائف الخاصة بالمجريين أنفسهم. ويعتقد 43 في المئة من الشعب أن اللاجئين هم سبب الجرائم بشكل عام في المجر. الجدير بالذكر أنه يوجد 72 في المئة من المجريين يرفضون دخول أي مسلم إلى بلادهم، وهي النسبة الكبرى في أوروبا. وكان رئيس الوزراء الحالي فيكتور أوروبان، قد ركز بشكل شبه كامل على مسألة عداء المهاجرين، ما جعل حزبه يحصل على أغلب مقاعد البرلمان، فيما جاء "القوميون المجريون" في المرتبة الثانية بنحو 20 في المئة من الأصوات، بينما لم يحصل الاشتراكيون سوى على 11.85  في المئة من الأصوات، وهو ما يعكس نجاح اليمين المتطرف في أوروبا في إثارة مخاوف الأوروبيين من تدفق المهاجرين واللاجئين المسلمين إلى بلادهم. وقد ساهم أوروبان في تعزيز الخطاب العنصري في البلاد بشكل غير مسبوق، فقبل بضعة أسابيع من الانتخابات البرلمانية، تحدث عن بلاده بوصفها آخر معاقل أوروبا في مواجهة ما أسماه "ظاهرة الأسلمة"، بل أكثر من ذلك، إذ يزايد على المتطرفين في الداخل المجري بالقول إن الأسلاك الشائكة التي أقامتها بلاده على حدودها وإجراءات الأمن المشددة التي اتخذت تجاه المهاجرين، قد نجحت في منع  وقوع "غزو إسلامي" لبلاده التي اتهمتها الأمم المتحدة بخرق التزاماتها بموجب القوانين الدولية الأوروبية بسبب فرضها قيوداً على اللاجئين المسلمين. وتحدثت صحيفة الغارديان البريطانية عن مفردات أوروبان التي يستخدمها ليعزز الكراهية في قلوب الأوروبيين تجاه المسلمين، مصطلحات من عينة "الغيوم السوداء" التي تحلق فوق سماوات أوروبا. وأصبحت هذه المصطلحات العنصرية أكثر فجاجة بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية. ويقول ستيفانوس ستافروس الأمين التنفيذي للجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب عن أحوال المجر الداخلية بالقول: "نحن قلقون جداً من خطاب الكراهية الذي يستهدف الفئات الضعيفة، إنه من الخطر استعمال عبارات الغجر واليهود والمثليين والمتحولين جنسياً، وغيرها للحديث عن المهاجرين". والخطورة في ظاهرة أوروبان، أنه يتكلم باسم الحركات اليمنية المتطرفة المتنامية في أوروبا، إذ يستخدم المسؤولون المجريون بكل سهولة خطاباً عنصرياً يعد محظوراً في دول أوروبية أخرى، وبذلك يصبح هذا النوع من الخطاب مستساغا أكثر بالنسبة إلى الشعوب الأوروبية بعامة. وقوبل فوز أوروبا بولاية ثالثة، بالترحيب من قبل قوى أوروبية تميل نحو اليمين المتطرف، وكأنها تسعى إلى بناء جبهة يمينية أوروبية موحدة. وعلى سبيل المثال رحب وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، بانتصار الأخير، وحث الاتحاد الأوروبي على التخلي عما وصفه بسياسة الغطرسة والتفضل تجاه ما أسماه "الدول الأصغر في التكتل". وحول إمكان انسحاب بودابست من الاتحاد الأوروبي، نلاحظ أنه على الرغم من خلافات أوروبان مع بروكسل في شأن مسألة الهجرة وقبول المهاجرين، فإنه لم يهدد يوماً بالانسحاب من الاتحاد، ويرجع ذلك إلى أن المجر من الدول الرئيسة التي تستفيد من الأموال الأوروبية، تلك التي ساهمت في إنعاش الاقتصاد بعد الأزمة التي شهدتها البلاد في نهاية سنوات العقد الأول من القرن الحالي. وعلى الرغم من أن الحزب الحاكم يؤكد توجهاته الليبرالية الديمقراطية المنفتحة "المهددة من جانب المهاجرين المسلمين"، تبنت المجر قانوناً يهدف إلى الحد من عمل المنظمات الحقوقية الدولية المعنية بمسألة الهجرة واللجوء، وينص القانون على عقوبة من يقدم المساعدة إلى طالبي اللجوء تصل إلى سنة سجن. ويرى مراقبون أن الملياردير اليهودي المجري الأمريكي جورج سوروس هو المستهدف من حزمة القوانين الأخيرة، إذ يتهم المتحدثون باسم رئيس الوزراء سوروس بأنه "يدعم الهجرة الإسلامية إلى المجر"، ولكن الوضع يبدو أعقد من ذلك، لأن المستهدف الحقيقي هو الجمعيات والمنظمات العاملة في المجر، ومن ثم الحد من حرية عملها، وهو ما ينتهجه رئيس الوزراء من سياسة مقيدة للحريات والصحافة في البلاد، بالتوازي مع تقارب واضح مع روسيا برئاسة فلاديمير بوتين. لينتقل من مؤمن باقتصاد منفتح وليبرالية ديمقراطية وعداء للسياسات الروسية وتحالف وثيق مع جورج سوروس، إلى أوثق أصدقاء موسكو. الحالة المجرية تتطابق مع ما قاله فيليبي غونزاليس موراليس، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، بأن "إلقاء اللائمة على المهاجرين يشكل طريقة سهلة للقادة السياسيين لحشد الدعم من المواطنين، ويستغلون المشاعر المفعمة بالتمييز وكراهية الأجانب ويعملون على تأجيجها. وفي غياب سياسات حكومية موضوعية لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، يصبح المهاجرون هدفاً سهلاً".     مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي "مينا"   هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد. حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.