picture

محمد أمير ناشر النعم

الأقزام وفقه الهموم المتقزمة

في نهايات القرن التاسع عشر بدأ ظهور لفيف من الفقهاء اتسموا بالعبقرية والموهبة الفنية والعقل الحصيف، اشتغلوا في موضوعات كبيرة نمّت عن شعورهم بتفوقهم على لحظتهم الراهنة، وكان منهم بل في طليعتهم الإمام محمد عبده، وكان في مقدمتهم شرّاح (المجلة) العلاّمة الشيخ خالد الأتاسي، والعلامة علي حيدر، والأستاذ سليم رستم الباز، والفقيه محمد قدري باشا المصري، والقانوني المصلح الفلسطيني فهمي الحسيني، ثم التحق بسربهم في ما بعد طائفة من الفقهاء أناخت عقولهم وأنفسهم في ساحة العلم، ولم تتعداه إلى سواه، فقعّدوا ونظّروا وبرهنوا على أن الفقه الإسلامي في جوانبه المتعددة، وفي مذاهبه المختلفة مصون عن السفاسف، لأن أسسه تقوم على نظريات ومبادئ غاية في الدقة والإحكام، والسعة والمراعاة، وكان منهم أيضاً العلامة عبد الرزاق السنهوري المجلّي لـ (مصادر الحق في الفقه الإسلامي)، والعلامة ابن العلامة الشيخ مصطفى الزرقا الذي فصّل للفقه الإسلامي ثوباً جديداً في كتابه الشامل (المدخل الفقهي العام)، والدكتور أنور إبراهيم باشا صاحب المؤلف القيم (المسؤولية الجزائية في الشريعة الإسلامية)، والعلامة السيد محمد باقر الصدر الذي كتب (اقتصادنا)، والأستاذ شفيق شحاتة الذي قدّم رسالة دكتوراه بعنوان: (النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية)، وحدّث ولا حرج عن المحقق الشيخ أحمد إبراهيم صاحب رسالة (الأهلية) و(نظام النفقات في الشريعة الإسلامية)، أو عن المحقق العلامة الشيخ علي الخفيف صاحب (الحق والذمة وتأثير الموت فيهما)، أو عن الشيخ أحمد فهمي أبو سنة صاحب (العرف والعادة في رأي الفقهاء)، أو الشيخ العلامة مصطفى شبلي في كتابه القيم (تعليل الأحكام)، أو الدكتور فتحي الدريني في أطروحته المبدعة (نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي)، إضافة إلى الإمامين محمود شلتوت ومحمد أبي زهرة في مؤلفاتهما الكثيرة المشهورة. ثم خلف من بعد هؤلاء الأفاضل الروّاد خلف لم يبلغوا أبداً –سوى قلة قليلة– مبلغ عظمتهم، ولم يرقوا إلى سماء سُموّهم، وإن استعاروا قفاطينهم وعمائمهم بل مصطلحاتهم، فتمتعوا بهذه الثروة الثمينة على غير استحقاق، ثم بدّدوها تبديد السفيه، وهدروها هدر المعتوه، ظناً منهم أن حضور (الفقه) في (التأطير) و(التكييف) لكل شاردة وواردة أمر لا مندوحة منه، وهكذا أخذوا على عواتقهم في تلهفٍ غير محدود، إعنات الناس وتكبيلهم، إذ حصروا مهمتهم في تطويق الإنسان تطويقاً محكماً، فانطلقوا إلى فتاواهم دونما هوادة، في فقه منفلت من عقاله، ولا سبيل إلى الإمساك بزمامه، فازدحموا بالفتاوى، واحتدموا بالأحكام، وجعلوها رواسم (كليشيهات) وأربكوا أنفسهم بأنفسهم، وأربكونا معهم، بله عكّروا صفونا وكدّروا فطرتنا، وأنقضوا ظهرنا، وخرجوا علينا بنتاج فقهي أقل ما يُقال فيه إنه (فقه الهموم المتقزمة)، أو إنه (الفقه الإسلامي المعاصر في وجهه الشائه الشاحب). وفي أثناء ذلك انقسم هؤلاء فريقين، كل فريق غدا أسيراً لموقف استغرقه الاستغراق كله: ــ فريق صحّ أن نطلق عليه وصف (المذهبي) لأنه تقيّد بمذهب إمام معيّن من أئمة المذاهب (الأربعة تحديداً). ــ وفريق أطلق على نفسه (اللامذهبي) منكراً هذا التقيّد، وداعياً إلى العودة والرجوع إلى الكتاب والسنة. لكن -كما تعلمون- انقساماً لا تصحبه مناوشات ولا تعقبه معارك، سيبدو غريباً على أخلاقنا وسجايانا، ونشازاً في لحن عاداتنا وأعرافنا، وفوق ذلك كله سيكون غير جدير بأن يُذكر أو يؤرخ له في مقبل الأيام، من أجل ذلك استعدّ الفريقان كلاهما وهرولا، وصاح كل منهما ضد الفريق الآخر: يا خيل الله اركبي. أما فرسان النزال والطِّعان، والترصّد المغرِض، فكان من أشهرهم الفقيه المغوار محمد زاهد الكوثري (من فئة المذهبيين)، الذي احتوش (هي ربما اعتمد أو اتبع، احتوش لا تأتي بهذه المعاني إنما هي جعل الأمر في الوسط) كبش اللامذهبيين محمد حامد الفقي وراهقه، يليهم، زمناً، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي ناجز (هي إما ناهز أو عمد إلى المناجزة مع، أو ناحر، أما ناجز فهو فعل غير وارد في المعاجم بهذا المعنى) الشيخ ناصر الدين الألباني، والأستاذ محمد عيد عباسي. وشهدنا في مدى سنوات خلت منها البركة، معارك ومساجلات عناوينها أحد من أطراف الأسنة، فالكوثري لا يجد حرجاً أن يكتب بحثاً عنوانه: "اللامذهبية قنطرة اللادينية"، والألباني والعباسي لا يتورعان أن يعلنا: "المذهبية هي البدعة". وأما الدكتور البوطي فلا يتلكأ في أن يكتب كتاباً عنوانه "اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية". وهنا يضرب الجميع أروع الأمثلة في (الحرص)، حرص كل فريق على زجّ الفريق الآخر في النار، على اعتبار أن (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وقد أنتجت لنا هذه الحركة النزالية لوناً من ألوان الأدب المتسم بسحر التعبير المتدفق، ويمكن أن نطلق عليه اسم (أدب اللعنات والشتائم المتبادلة) التي لو أحصاها المحصي في كتابات هؤلاء المذكورين فقط لخرج بموسوعة فيها ألوان (البيان والمعاني والبديع) كلها، وفيها (تركيز) ما توصل إليه شعراء الهجاء في مدى خمسة عشر قرناً. وكان من دواعي الكرب في ما بعد، تكاثر كليات الشريعة والفقه وأصوله وتناسلها، إذ ما فتئت تمدنا بـ (فقهاء الحاضر والمستقبل)، من (المذهبيين واللامذهبيين) المتلهفين لاقتناص موضوعات لطروحاتهم، ولو من تحت أظفارهم، أو من بين أسنانهم، ولو اطلعت عليهم لرأيتهم يرسفون -إلا من رحم الله- في أغلال الشغل على أشياء لا تعني شيئاً لأحد، وقد أخذتهم واستبدت بهم حميّا تقديم (البدائل والحلول الإسلامية)، ولكنْ يالها من (بدائل وحلول) ضيقة محدودة، وبائسة مسدودة، متساوية في التعسير، ومتلائمة في التنفير. أما الفئة الأكثر تعالياً، أعني دارسي (أصول الفقه) تحقيقاً لكتبه، وتحريراً لمسائله، فهي في الممارسة العملية يوم يجدّ الجد، لم تكن إلا كذاك الذي يعرف كيف يضبط مفاتيح عوده، ولكن لا يجيد العزف عليه، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، سواء ممن يدعون (فقهاء)، أم يسمّون (أصوليين)، لكنني لست بحاجة إلى ذكرها، ولا إلى إيراد الأسماء وتكوين العداوات، ولا سيما أنني ألح على أنّ نقدنا يتجه إلى (الأفكار بالتمحيص لا إلى الأشخاص بالتنقيص). أما الفتاوى التي يتمخّض عنها هؤلاء الفقهاء بل أشباه الفقهاء فلا يمكن تسميتها إلا بــ (الفتاوى المعرقلة) لأنها تعرقل استقرارنا واطمئناننا، وتعوق مسيرتنا وتقدمنا، إذ تنزل علينا كفجاءات الحوادث وبغتات البلاء فتاوى كاسيات عاريات، تُلبِس الإضاعةَ ثوبَ الحزم، وتكسو الغوغائيةَ رداءَ الفهم والعلم، ولو أنها اقتصرت على جانب العبادات فقط لكانت المصيبة أخف، لأنها لن تمس إلا شخصاً واحداً بعينه، ولكنها تتدخل في الجوانب الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فتتناول الإنسان وزوجته وأسرته، وأبناء بلده ومجتمعه. أما الشعب المسلم المسكين فالويل له إذا اقتدى بها، وامتثل هديها، لأنّ أركانه ستفهق عندئذ من جوانبها طفاحاً من العنت والضيق، ولأن بنيانه سيضج بَرَماً من الكرب والشدة. وأما (المفتون) المعرقلون فالويل لهم أيضاً، مصداق الدعاء النبوي: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه) رواه البيهقي في شعب الإيمان. وعلى الرغم من الآيات القرآنية كلها، والأحاديث النبوية، والمأثورات التراثية، والقواعد الفقهية التي تقيم بنيان هذا الدين على التبشير والتيسير، وعلى رفع الحرج، ووضع الإصر والأغلال عن البشر، حتى يعيشوا حالة إنسانية طبيعية لا تعرف الشدة ولا العنت ولا الجور ولا الضيق، على الرغم من هذا كله فإن جلّ (فقهائنا) اليوم يخالفون ذلك كله ويعاندونه، حتى إذا ما أردنا أن نستخلص من فتاواهم قواعد ومبادئ فإن على رأسها سيأتي: (الأصل في الأشياء المنع والتحريم)، و(الأصل انشغال الذمة)، و(الأمر إذا ضاق لم يتسع، وإذا اتسع ضاق)، و(المشقة تجلب التعسير) و(الضرورات تزيد المحظورات) و(العبرة في العقود للألفاظ والمباني وليس للمقاصد والمعاني)، و(العبرة للتوهم)، (اليقين يزول بالشك)، و(الضرر لا يزال بمثله بل بأشد منه)، و(يُختار أفدح الشرين). وهذا ما يكون عليه حالنا عندما يختار هؤلاء (الفقهاء) الإِلْف على الصواب، فيغدو استنباطهم محض تنقيب ومَتْحٍ من براميل الذاكرة، يغرفون منها أحكاماً من دون أن يمرروها على مصفاة الوعي وغربال المحاكمة. وحتى نرتقي من وهاد التعميم إلى قلة التخصيص نتناول أمثلة بعينها اجتناباً للتطويل وتوخياً للاختصار، متجاوزين الفتاوى المدهشة الغاصة بالنكر والسفاهة التي تذخر بها صفحات المواقع في الإنترنت، وتغدو موئل تندّر وتفكّه: فتاوى العرقلة الاجتماعية :كفتاوى (الطلاق)، هذه الفتاوى التي تتضارب فيها آراء (المفتين) في دائرة الإفتاء الواحدة التي قد تؤدي إلى خراب البيوت من دون إرادة أكيدة من الزوجين بإنهاء علاقتهما، ولكن المفتي الحريص يبتُّ العلاقة ويميتها، وإن كان في بعض الأحيان يعود فيحييها بتأمين الزوج المحلل الذي يسمى في عرف الشرع (التيس المستعار)، وكالفتاوى التي تحرّم على المسلمين صوراً من التواصل الاجتماعي المطلوب كتحريم مناسبة عيد الأم، فلا تجيز في هذه المناسبة إظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك أو التي تحرّم عليهم أن يبتدئوا بعض أبناء الوطن بالسلام، أو أن يهنئوهم بأعيادهم. فتاوى العرقلة الاقتصادية: كتلك التي تحلل للتجار صيغاً من العقود اللئيمة التي يصطادون بها المحتاجَ أو الواقفَ على شفير الإفلاس، كبيع (الوِعْدة) هذا العقد الذي هو في صورته بيع وفي حقيقته قرض ربويٌّ بامتياز، ثم ترى هؤلاء (الفقهاء المفتون) يحرّمون في المقابل الاقتراض من بنوك الدولة، على الرغم من الاجتهادات الفقهيَّة الكثيرة كلها التي لم ترَ على الأقل في القرض الاستثماري أي نوع من الربا، بل يحرمون هذا القرض ولو كان المقترض مضطراً، معطِّلين بذلك القاعدة الفقهية المتفق عليها والقائلة: (الحاجة تنزّل منزلة الضرورة)، ولكن (المفتين) هنا لا يعترفون بضرورات الناس، ولا يقرُّون بحاجاتهم، فإن جاءهم الشاب الناشئ مستفتياً في أن يقترض من البنك ليستقل بمشروع صغير يمكن أن يكون نواة مؤسسة أو شركة في قابل الأيام، أوجفوا عليه خيول الحلال والحرام يرهبون بها طموحاته وآماله، وإن جاءهم الفقير مستفتياً حول جواز اقتراضه من البنك لأجل السكن، كان ردهم: "لك في الاستئجار فسحة"، أو كان جوابهم: "اشترِ خيمة وعش في ظلالها، فإن لك فيها مندوحة عن الاقتراض" على أننا لا يمكن أن نخفي فرحتنا بالانفتاح الاقتصادي الذي شهدته بلداننا، فقد بات بوسع (فقهائنا) أن يحيلوا هذا المستفتي على البنوك (الإسلامية) التي تزيد (أرباحها/ فوائدها) على فوائد بنوك الدولة أو البنوك التقليدية أضعافاً مضاعفة. فتاوى العرقلة العلمية: ولعل أبرز هذه الفتاوى تلك التي وقذت الشباب المسلم فحرّمت عليه ارتياد الجامعات لما فيها من الاختلاط، وقد عانت الجزائر بعد تسعينات القرن الماضي مثل هذه الفتاوى التي راح ضحيتها آلاف الشابات والشبان الجزائريين ممَّن تنزَّهوا عن الاختلاط، فوقعوا في ما بعد في أوحال البطالة والعوز والحرمان، وكانت النتيجة أن انعكس ذلك في أحيان كثيرة على المبدأ ذاته بالنقض والارتداد، علاوة على خسارة البلاد الحقيقية لكفاءات رائعة لم يقدّر لها أن تأخذ نصيبها، ولم يُتح لها أن تؤدي دورها، والمفارقة العجيبة هنا أنّ الذين أفتوا بذلك كانوا هم أنفسهم يدرّسون في تلك الجامعات ويعملون فيها، في تصديق تام لما أخبر به المسيح (عليه السلام): "الويل لكم يا علماء الشريعة فإنكم تحمّلون الناس أحمالاً وأنتم لا تمسونها بإصبع من أصابعكم". فتاوى العرقلة الحضارية: كتحريم التجنُّس للمغتربين، التي تقول: "وأما التجنس: فالأصل فيه الحرمة، لأنه انضمام إلى راية أو مظلة غير إسلامية، ولأنه يؤدي إلى تقوية الأعداء، كما هو الحاصل في هجرة الأدمغة، ولأن الجنسية يترتب عليها التزامات بواجبات قد تتنافى مع أصول الإسلام وأحكامه، كالمشاركة في القتال لمسلمين أو غير مسلمين، والإلزام ببعض التكاليف التي لا يقرها الإسلام، ولأن الرضا بالمقام بين غير المسلمين يؤدي إلى محبة عاداتهم أو التأثر بها واستحسانها، وبخاصة في عقول الأولاد، وللبيئة تأثير ملحوظ. لذا قال النبي (ص) في ما رواه أبو داود: "أنا بريء من كل مسلم يقي ما بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله ولم ؟ قال: لا تتراءى نارهما" . أو التي تقول: "إنّ انتماء المسلم إلى جنسية بلد أو دولة غير مسلمة مع الإقامة فيها محرّم حرمة ذاتية، والحرمة الذاتية لا يعارضها ولا يغالبها أي من المبررات العارضة التي قد يسميها بعض الناس ضرورة، وكما أنّ الماء لا يطهر النجَس العيني كالدم ولحم الخنزير والميتة مهما غسل به، ومهما سرى في أجزائه، فكذلك عوارض المبررات المتصورة لا تقوى على إزالة الحرمة الذاتية السارية في جوهر هذا الانتماء وذاته". ثم تقول: " فهو إذاً من المحرمات المقطوع بحرمتها" . على أن بيان خطأ هذه الفتوى وتناقضها، وما خالطها من شوائب وروائب، وتوضيح إحالتها الأمور عن جهاتها، وإبراز خروجها عن معطيات التطور الإنساني يحتاج إلى بحث خاص، ولكن يكفينا هنا أن نبيّن أن هذه الفتوى توقع ملايين السوريين المسلمين في بلاد المهجر في الحرج والشدة. ولا شك في أنّ قسماً كبيراً من المغتربين السوريين يهتمون لأمر دينهم، ولا يرضون لأنفسهم ارتكاب المحرّم، ولا الاقتراب منه، لكن هذه الفتوى تلفح قلوبهم بالضيق، وتلحف أكبادهم بالحرج، والمشكلة الداهية التي نصادفها هنا أن صاحب هذه الفتوى ومن لفّ لفه يحتكرون حكم الله، فيقذفون مخالفيهم بألسنة حِداد، لأن الفتوى عندهم هي حكم الله ينطق على ألسنتهم، ولو عدّوها رأياً إنسانياً واجتهاداً ناتجاً من فهم النصوص الشرعية الأصلية -وهي كذلك- لأفسحوا المجال لوجود (فتاوى أخرى) ذات حُجيَّة تخالف فتاواهم، ولوسّعوا على الناس وأراحوهم، وأزالوا عن كواهلهم عبء الشعور الفادح بالوزر الثقيل الجاثم، غير أن لسان حال هؤلاء المفتين يقول: (الفتوى ههنا، والتقوى ههنا، وما ثم بعدنا إلا الضلال). فهم وحدهم المشمولون بروح القدس، وهم وحدهم المتفردون بنعمة التأييد الإلهي والتسديد الرباني.  ولكن هل لهم من الله موثق بذلك؟ والجواب: لا. فالمفتي ليس معصوماً عن الخطأ، فقد تعثر به عجلة الرأي، وتزل به قدم الاستنباط، وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر فإنني أجدني مضطراً إلى الاستشهاد بالعصر الإسلامي الأول، فقد حفظ لنا التاريخ كماً كبيراً من استدراكات الصحابة، رضي الله عنهم، بعضهم على بعضهم، في فتاواهم بل حتى في قضائهم الذي يزيد على الفتوى في قوة الإلزام. نعم أنى لهذه الفتوى هذا التحريم القاطع في حين إن عدداً كبيراً من الفقهاء المعاصرين لا يرون بأساً بهذا التجنس، بل يحضّون عليه. خلاصة الأمر إنها دعوة للمتصدرين للفتيا: اتقوا الله في هذا الشعب الطيب. يسروا أمره ولا تعسروه، وبشّروه ولا تنفّروه. وهي تنبيه للشعب الكريم أن يقلل من سؤالاته واستفتاءاته، وأن يأخذ بالوثيقة في أمره، متذكراً القانون الذي وضعه له نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما روى أحمد والدارمي في مسنديهما: (استفتِ قلبك، واستفتِ نفسك. البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك). [1] انظر: د. وهبة الزحيلي، "فتاوى معاصرة". ص 289، ط1، دمشق: دار الفكر. [1] انظر: د. محمد سعيد رمضان البوطي، "قضايا فقهية معاصرة". ص 208، دار الفارابي.

-

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

  • مقالات الكاتب