picture

هوازن خداج

المرأة الإيرانية ومقصلة اندماج الدين بالسياسة

من البداهة ألا تختلف أوضاع النساء في إيران عن أوضاع بقية نساء الشرق الذكوري وقوانينه التمييزية بين الجنسين بمعطياتها المتعددة، إلا أنها تزداد وطأة مع نير الإملاءات الدينية وفروضه المنغرسة داخل التركيبة المجتمعية المتجهة نحو دعم السيادة والهيمنة الذكورية، لتُلبسها ثوباً أيديولوجياً دينياً متحكماً ينتهك وجود المرأة لدرجات تهدد كيانها الجسدي والنفسي.

شهدت أوضاع النساء الإيرانيات العديد من التبدلات الناجمة عن تغيّر الأوضاع السياسية السائدة  بغض النظر عن حالة الإيمان المجتمعي للشعب ككل، فالفترة الدستورية الأولى 1906 وما رافقها من مؤسّسات جديدة وتعبيرات أسّست لنظام اجتماعي وسياسي جديد، لم تسجّل مفارقة نوعية في واقع النساء الحقوقي والاجتماعي والاقتصادي رغم مشاركة النساء فيها وخروجهن إلى الشوارع متّشحات بـ "الشادور"، فهذه  المشاركة اقتصرت على الأنشطة السياسية والاجتماعية في إطار محدد وخاضع لتأثير القادة الدينيين، لتتطور لاحقاً إلى المطالبة بإنشاء مدارس للبنات ومنظمات ومنشورات نسائية، ساهمت في ارتفاع صوت النساء بالدفاع عن حقوقهن، وتحدّي الحصار المجتمعي والتهم المعلّبة حول أي حراك نسوي باعتباره مَفسَدة للدين تتوجب مواجهته بتهم الدعارة وبفتاوى التكفير، كـتكفير "بي بي أسترابادي" التي أسست أول مدرسة 1907، وتأسّست منظمات نسوية "سرية"، مثل الاتحاد النسائي وجمعية حرية المرأة وجمعية نساء تبريز، عملت على نهوض المرأة الإيرانية، وأدّت إلى خلق مفهوم جديد للمرأة، وإعداد النساء للعمل في الفضاء العام والتباحث حول المسموح والممنوع، وحول حقّ الوجود بدل الاكتفاء بكفن أسود للحياة وأبيض للموت بحسب تعبير الناشطات في تلك الفترة.

بعد الثورة الدستورية الثانية 1909 والتطورات السياسية اللاحقة، أثمر الحراك النسوي في الخروج بالمرأة من الحرملك إلى المدارس والجامعات، وكسر الإطار السائد في حجبها عن الحياة، واتخذت النساء خطوتهن التالية وأصدرن مجلات خاصة بالنساء كـ "دانش" المعرفة و"شكوفة" مجلة زهرة و" جهان زنان" عالم المرأة وغيرها، ليصير صوت المرأة مسموعاً أكثر من ذي قبل. ورغم انتهاج هذه المجلات مقاربة تقليدية ومحافظة في تناول وضع المرأة، وأمّية معظم النساء لكنها استطاعت تصوير واقع المرأة الإيرانية ومطالباتها لتصل في العام 1914 إلى المطالبة الواضحة باستقلال المرأة الاقتصادي، ومنع زواج الفتيات دون سن الخامسة عشرة، ورفع الحجاب، وهذا لم يتحقق إلا في حكم الشاه رضا بهلوي واتخاذه قراراً في 8/12/ 1936 عرف بـ"كشف حجاب".

وفي عهد محمد رضا بهلوي والثورة البيضاء عام 1962 نالت المرأة جزءاً كبيراً من حقوقها، كحقّ التصويت والترشح للمناصب العامة، وقد ترشحت 6 سيدات للبرلمان، ودخلت المرأة مجال القضاء والشرطة وغيرها، وبرز اسم القاضية "شيرين عبادي" الحائزة على جائزة نوبل للسلام. كما شُكّلت المنظمة النسائية الإيرانية عام  1966، واستُكملت جملة واسعة من المطالب مع "قانون حماية الأسرة "عام 1967 الذي أنهى الطلاق خارج نطاق القضاء، ومنح المرأة حقوقاً متساوية في الطلاق والزواج وحضانة الأطفال، وقيّد تعدد الزوجات بشرط موافقة الزوجة، ورفع الحدّ الأدنى لسن الزواج إلى 18 بعدما كان 13-15 عاماً، وتمّت مراجعة كافة قوانين ولوائح العمل للقضاء على التمييز بين الجنسين وضمان الأجر المتساوي، وبحلول عام 1978 أصبحت 40% تقريباً من الفتيات متعلّمات، وحوالي 33% من طلبة الجامعات كُنّ من النساء، وانتخبت 333 إمرأة في المجالس المحلية، و22 إمرأة في البرلمان واثنتان انتخبتا في مجلس الشيوخ.

سجّل واقع المرأة الإيرانية مفارقة نوعية كبرى بين الثورتين "البيضاء والثورة الإسلامية" لتعيش في مرحلتين منفصلتين بين النهضة والانكفاء. فبعد أن حصلت على تغيير في القوانين لصالحها في حكم الشاه محمد رضا بهلوي وثورته البيضاء، فقدت الإنجازات كلّها دفعة واحدة عقب الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، ليطغى على إيران كلها مشهداً مغايراً  انعكس بمجمله على النساء، حتى من شاركن في بداية الثورة ورحبن بها نتيجة الضخ التعبوي بثورة أكثر عدالة وإنصافاً، لتشكّل  انتكاسة حقيقة من الناحية الحقوقية والاجتماعية للنساء. فتغيير الدستور كان بداية لسلسلة إجراءات تنفيذية طالت النساء في الصميم، حيث جرى إبطال قانون الأسرة، وإجبار موظفات الحكومة بزي إسلامي موحّد، ومنعت النساء من العمل في مجالات محددة كقاضيات مثلاً، ومن حضور المدارس المنتظمة، وأقِرّت جملة تعديلات للفصل بين الجنسين في كافة المجالات. فالدستور الجديد أعاد المرأة لدورها الوظيفي الأولي في بناء الأسرة وتربية الأطفال، واعتبر مسؤوليتها الأهم والأكثر قيمة هي الأمومة، وعمد إلى تطبيق جوانب الشريعة الإسلامية والفقه الشيعي، وما ترتّب عليه من نصوص تمييزية ومجحفة بحق النساء، تصل إلى الجّلد والرجم.  

شكّل إلغاء الحقوق المدنية للنساء تحديات كثيرة تقع على عاتق الحراك النسوي، وبداية لمسيرة احتجاجات من منطلق العودة للمكتسبات السابقة بدل تحقيق أهداف أوسع، وكانت هذه الاحتجاجات تُجابَه بشّدة تحت سطوة القانون وأحكام السجن والجلد والإعدام أحياناً. فما بقي من حقوق كالتعليم المجاني كان لا يتنافى مع الشريعة والقبول المجتمعي، أما حق التصويت والترشيح للبرلمان فلم يكن أكثر من "برستيج" لا يقدّم ولا يؤخّر مع ما يواجهنه من معيقات في تنفيذ الوعود، ويختلف حسب الزعامة السياسية بين الإصلاحيين والمحافظين.

الضرر الأكبر الذي أصاب النساء عقب الثورة الإسلامية كان مُنصبّاً على اتجاهين، الأول: دخولها مجال العمل العام، فللزوج الحق بمنع زوجته من العمل في مجال ما، وعملياً يطلب بعض أصحاب العمل موافقة الزوج أو الخطيب المكتوبة للسماح للنساء بالعمل لديهم. والثاني: على صعيد الأحوال الشخصية وآلية النظر لعقود الزواج وواقع المرأة داخل البناء الأسري، إذ يعرّف الفقه الشيعي الزواج بأنه عقد مقايضة يتضمن نوعاً من الملكية ولا يبتعد بفحواه عن صيغة العقد التجاري بين المرأة والرجل، فمقابل منحها الرجل حقّ الاتصال الجنسي، يحقّ لها الحصول على كمية من المال أو المقتنيات الثمينة(المقدّم والمؤخّر)، دون النظر إلى ما يحيط هذا المفهوم من تشعّبات ومشاعر متضاربة، وقد أقرّت إدارة الرئيس محمود أحمدي نجاد في قانون دعم الأسرة عام 2008 فرض ضريبة على المهر الذي تعتبره الزوجات أماناً مادياً في حال امتناع الزوج عن دفع النفقة. ناهيك عن تطبيق كافة البنود الشرعية التي تصب في خدمة الرجل  كالطلاق التعسفي والميراث والزواج من أربعة وحق التمتع وغيرها.

كما شاع الزواج المؤقت "المتعة" الذي بقي ملتبساً وهامشياً ولم يلقَ رواجاً شعبياً واعتبر من قِبل الكثيرين دعارة "مشروعة"، حتى أصدرت عام 1983 إبّان حكم الخميني فتوى باعتباره رحمة من الله للإنسانية، وضرورة لصحّة الفرد وللمحافظة على النظام الاجتماعي والعلاقة بين الجنسين، فلم يَعدّ مقتصراً على محيط المقامات الدينية، ونشأت مجموعة من الأقوال والمعتقدات حول فضائل ممارسته والثواب الديني لممارسيه.

وبغض النظر عما يرافق هذا الزواج من مسائل خلافية فكرية أو فقهية أو أخلاقية، فإن الإشكاليات الناجمة عنه كبيرة، إذ يحدد عقد "المتعة" قانوناً بأربعة بنود هي: الشكل الشرعي للعقد (الصيغة). القيود المفروضة على الزواج من أتباع الأديان الأخرى (يحقّ للرجل الزواج من أهل الكتاب أو الزردشتيون وتُمنع المسلمات من الزواج بغير المسلمين). مدة الزواج (من 30 دقيقة إلى مدى الحياة) والتعويض (المبلغ المالي الذي ستتقاضاه الزوجة المؤقتة). الإيجاب والقبول من الطرفين. فهو لا يتطلب شهود أو تسجيل بالمحكمة أو إجراءات طلاق ولا حقوق ميراث بين الزوجين، ويحقّ للرجل التمتع بعدد غير محدد من النساء، وله حق فسخه قبل انتهاء مدّته ويعطيها أجرها، إذ يُجمع  العلماء والفقهاء على اعتبار هذه الزوجة "مُسْتأجَرَة" بغرض المتعة.

وتأتي المفارقة أن التركيز الأكبر في قضايا المرأة ينصبّ على (الحجاب، الحرية، الاضطهاد والتهميش) وقلّة يتجاوزن العتبة الدينية ويخترقوا حاجز الدخول في زواج المتعة وقوانينه وانعكاسها على المرأة، وأهمها، أولاً: التناقض في مسألة العذرية فالفقه لايرى مانعاً في إقدام العذارء على المتعة، والثقافة الشعبية تشترط العذرية في عقد الزواج الدائم، ودمج الإثنين قانوناً ضمن مؤسسة الفقه باعتبارهما عقدين للزواج يؤدي إلى زرع مفاهيم خاطئة لدى النساء حوله واعتباره علاقة زوجية فعلية. ثانياً: إمكانية استخدامه للتلاعب بسن الزواج وتزويج الطفلات قبل البلوغ لعدم تسجيله. ثالثاً: صعوبة إثبات شرعية الأولاد، فرغم شرط فترة العدّة لتحديد النسب في حال الحمل، واعتبار الأولاد شرعيين ولهم كامل الحقوق كالزيجات الدائمة، إلا أن عبء الأولاد يقع غالباً على النساء في حال أنكر الأب الأبوة، وتزيد المأساة بأن غالبية من يمارسن زواج المتعة من الأوساط الفقيرة أو من يطلق عليهن "سيغية" ليغرقن أكثر في البؤس، ويعاني الأولاد من وضعهم الملتبس ومن ازدواجية النظرة الأخلاقية.

صراع المرأة الإيرانية للخروج من قمقم المجتمع الذكوري وضيقه ونيلها بعض حقوقها، جعل من خسارتها عقب الثورة الإسلامية وإعادتها لبيت الطاعة ووظيفتها داخل الأسرة فقط، هو لَيٌّ لأعناق الناشطات في مجال حقوق الإنسان والمرأة، اللاتي مازلن يرفعن صوتهن احتجاجاً على اندماج نظام سياسي مع جذور دينية مقدسة، ترفع حواجزها القانونية الشرعية والاجتماعية لتسحق حقوقهن المدنية وتلغي وجودهن باسم الأخلاق حيناً وباسم الدين أحياناً.

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

إيرانالمرأةالمجتمع الذكوريزواج المتعةالأولادقضايا