picture

خالد المطلق

إخوان سوريا وإيران والأسد ووأد الثورة

الحركات والأحزاب السياسية من المفترض أن تترافق مطالبها وأهدافها مع طموحات الشعوب الثائرة التواقة للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومواكبة التطورات الحضارية على كافة المستويات، خاصة إن كانت هذه الأحزاب والحركات تعمل تحت غطاء إسلامي في مجتمع الأغلبية العظمى منه مسلمين فمن المفترض أن يكون هناك تلاحم بين هذه الحركات والجماهير، وهذا لم نجده من خلال تجارب كثيرة في مجتمعنا العربي والإسلامي وأكبر مثال على ذلك ما حصل في ثورات الربيع العربي، وهذا يثير الكثير من إشارات الاستفهام والتساؤلات حول دور هذه الأحزاب والحركات الإسلامية وطريقة صناعتها وانتماءاتها، خاصة أذا عرفنا أن هذه الأحزاب نجحت في مصر عبر حزب الإخوان المسلمين بفضل قربهم من الشعب المصري في قيادة الدولة والمجتمع إلى فترة حتى لو كانت محدودة.

كما نجحت في تونس في قيادة الإخوان المسلمين للمظاهرات والحراك السلمي الذي أدى إلى انتصار الثورة التونسية في مدة زمنية قياسية وبأقل التكاليف ومن ثم تنازل الإخوان المسلمون وبشكل راقي وحضاري لمن اختاره الشعب التونسي لقيادته في انتخابات شارك فيها كل أطياف الشعب التونسي، بالمقابل لم تنجح جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وفشلت فشلا ذريعا في قيادة الثورة السورية، ولم تستطيع أن تكوّن لها حاضنة شعبية، بل على العكس أثارت موجة من السخط والاستنكار والعداء لدى أغلب السوريين الذين كانوا يتعاطفون مع هذه الجماعة بعد مجازر حماه 1982م، لماذا فشلت جماعة الإخوان المسلمون في سوريا ونجح الإخوان في مصر وتونس لا بل في تركيا البلد المسلم عبر حزب العدالة والتنمية في كسب حاضنة شعبية كبيرة التفّت حولهم وساندتهم أعتقد أنه لسبب بسيط قد لا يعرفه الكثير ألا وهو أن الشعوب التركية والمصرية والتونسية لمسوا من جماعة الإخوان المسلمين في بلدانهم الرعاية والدعم والخدمات الجليلة التي لم يخصوا بها مريدي هذه الجماعات فقط بل شملت كل المواطنين في هذه البلدان وخير مثال على ذلك ما حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا من نهوض وتقدم وازدهار على كافة الأصعدة لكل الأتراك دون استثناء، فإنجازات حزب العدالة والتنمية لا تحصى ولا تعد ويُشاهد هذا بالعين المجردة كل من يزور تركيا ليشاهد الفرق الكبير بين من سبق وزارها من خمسة عشر عاماً.

لقد دافع المواطن التركي عن رئيسه وحكومته ليلة انقلاب 2016 بطرق تدل على رد الجميل على ما قدمه أردوغان وحزبه لبلده وشعبه كل بلده وكل شعبه وليس لفئة واحدة، نقول هذا بغض النظر عن الدور الذي تلعبه تركيا في الثورة السورية وسلبيته، ومن هنا من حق كل السوريين أن يعرفوا لماذا فعلت قيادة جماعة إخوان مسلمين سوريا ما فعلته بالثورة السورية والشعب السوري ولحساب من!؟

ولهذا لابد من معرفة الكثير من الحقائق بما حدث ومن هؤلاء الذين تصدروا قيادة ثورة لا صلة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد وهذا ما صرح به مرشدهم السابق صدرالدين البيانوني (شقيق البيانوني الآن في أحضان الأسد في دمشق) في إحدى مقابلاته التلفزيونية على قناة الجزيرة بعد زمن قصير من قيام الثورة عندما قال: "ليس لنا أي علاقة بانطلاق الثورة السورية" وكان البيانوني هو مهندس البيان الذي أصدرته الجماعة عام 2009 والذي يوقف كل النشاطات التي تتعارض مع نظام الأسد، بعد تحالف الجماعة عام 2006 مع عبد الحليم خدام بعد انشقاقه عن الأسد الابن وسرعان ما انسحب الإخوان من هذا التحالف وبقي الغزل بين الإخوان ونظام الأسد الابن إلى ما بعد انطلاق الثورة السورية بعدة أسابيع وحتى تاريخ أواخر نيسان 2011 لم يصدروا أي بيان تأييدا للثورة، لأنها كانت ترى الجماعة نفسها جزءًا من محور المقاومة.

ولكن كل أعضاء هذا المحور كانوا يفضلون عليها نظام الأسد، بعدها انتقل التنظيم إلى طرف الثورة بعد أن عرفوا أن من قام بها غالبية الشعب السوري بزخم قوي على أمل أن يستطيعوا قيادة هذه الثورة، مستفيدين من تفردهم في التنظيم والقوة المالية من بين كافة الأحزاب والتجمعات والحركات السورية، لأسباب يعرفها الجميع وأهمها القبضة الأمنية للأسد الأب والابن التي منعت تشكيل أي حزب يمثل الشعب السوري بشكل حقيقي.

مع انطلاق الثورة السورية كان من أهم الشعارات التي صدحت بها حناجر المنتفضين "لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان"، استشعاراً متقدماً على ما يمكن أن يفسره الأسد وداعميه بأن هذه الثورة ثورة أهل السنة على الطوائف الأخرى في المجتمع السوري، ولهذا عمل الأسد وأجهزته الأمنية على أسلمة الثورة السورية لإظهارها وكأنها تمرد من الأغلبية السنية على الأقليات ليلصق بهم صفة الإرهاب وهذا ما استطاع مع داعميه أن يحققه، من خلال فتح أبواب أحد أبرز مختبرات تصنيع الإرهاب في سوريا والعالم سجن صيدنايا، واطلاق سراح الكثير من قادة تنظيم القاعدة والسلفية الجهادية، ليقوموا بتشكيل فصائل مسلحة ذو فكر متطرف متحكم به بعدة أشكال، وكان هؤلاء خير عون للأسد في حرف الثورة عن مسارها الوطني السلمي.

وسرعان ما لحق بهؤلاء جماعة إخوان سوريا الطامحين في قيادة سوريا بعد الأسد، بعد أن تأكدوا أن الأسد ساقط لا محالة نتيجة الزخم الجماهيري الكبير للثورة، ونتيجة ما حدث في ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن، فأطلوا برؤوسهم العفنة من منافيهم في الأردن والسودان وألمانيا وأمريكا، وغيرها من الدول التي كانوا يديرون فيها شركاتهم الخاصة، منتظرين هذه الفرصة لعل حلمهم يتحقق مستفيدين من تعاطف الكثير من السوريين معهم نتيجة مجازر حماه 1980 والاضطهاد والإجرام الذي مورس على قادتهم في سوريا، في البداية انخرطت جماعة إخوان سوريا في الثورة السورية بتقية عروبية وعلمانية، مستفيدين من الدعم المادي الهائل الذي تلقوه من كثير من الجهات المتعاطفة معهم وأغرقوا الثورة على كافة الأصعدة بالمال والدعم اللوجستي بشروطهم.

كان أهمها الولاء الأعمى لهم، وخلال أشهر قليلة ربطوا أغلب التشكيلات العسكرية والمدنية في الثورة بهم محاولين التفرد في قيادة الثورة، والتحكم بها لتحقيق أهدافهم الخاصة، من خلال مصادرة الثورة ومسخ معانيها، معتمدين على خطة استبعدوا فيها كل من هو ليس إخوانيا أو مستعدًا كي يكون إخوانيا حتى وإن كان سنيا ومحافظاً، ولم يمضي عام على انطلاق الثورة السورية حتى بدأ يبرز الوجه الآخر للثورة بقناع مزيف إخواني سلفي، وبدأ الوجه الوطني والمدني يتلاشى أمام قوة الدعم الذي تلقاه هؤلاء من كافة الأطراف دول ومنظمات، والتي ثبت من خلال مجريات الأحداث بأن هذه الأطراف معادية للشعب السوري ولا تريد إسقاط الأسد، خلال هذه الفترة بدأت تظهر أسماء لفصائل إسلامية يدعمها الإخوان كالدروع وهيئة حماية المدنيين وفيلق الشام وفيلق الرحمن وجيش السنة وجيش محمد وأحرار الشام.

ونتيجة الفكر المتطرف المبطن والعدواني الذي يتمتع به بعض قادة جماعة إخوان سوريا سمحت الجماعة لنفسها أن تطلق على المعارك العبثية الفاشلة التي خاضتها حركة أحرار الشام أسماء تستدعي الصراع الطائفي مع النظام في الثمانينيات، كغزوة إبراهيم اليوسف في حلب وغزوة مروان حديد في حماه، وكذلك فصائل تبنت السلفية الجهادية كجيش الإسلام وجبهة النصرة إلى أن وصلنا إلى تنظيم داعش، وهذا أعطى مبررًا قويا لكل العالم وأولهم أمريكا لإلصاق تهمة الإرهاب بالثورة السورية، هذه التهمة التي سعى إليها الأسد منذ بداية الحراك السلمي للشعب السوري.

وبعد أن سيطر هؤلاء على أغلب الأراضي التي حررها الجيش الحر، بدأت حملات التكفير المبطن للمثقفين وأصحاب الفكر الذين قدموا الكثير للثورة السورية منذ انطلاقتها، وأصبح هؤلاء المثقفين يتهمون بأنهم علمانيون مترافقًا هذا مع مصطلحات الإلحاد أو الكفر، وهكذا تعامل الإخوان مع خصومهم في المعارضة بمنطق التكفير، ومع المعارضين لهم فكرياً بمنطق الولاء والبراء، وهذا أدى إلى انقسام خطير في المجتمع السوري وخاصة الحاضنة الشعبية للثورة، مما سبب طرد النسبة العظمى من المثقفين إلى خارج البلاد خوفا على حياتهم وأستفرد هؤلاء في المناطق المحررة التي دفع الجيش الحر ثمنًا باهضًا لتحريرها من سلطة الأسد، إلى أن دُقّ آخر مسمار في نعش الثورة أواسط عام 2014، عندما تمكنت الفصائل المتأسلمة من قتال ما تبقى من فصائل الجيش الحر وطردها، فأصبحت المناطق المحررة في الشمال بعد ذلك غابة من الخطف والاغتيال والتعسف في حكم الناس، والمزايدة عليهم في دينهم وحرّمت البلاد على الصحفيين الأجانب والنشطاء الإنسانيين الدوليين، فصارت الساحة حكرًا على المجاهدين ونشطاء المتأسلمين وأدعياء الورع والتدين، وصار وجه الثورة وخطابها إسلامي رجعي لا يثير المنتفضين لأجل الحرية ويريب المراقبين في الخارج ويفرح النظام وأعوانه، للأسف فقد أنزلوا الدين على السياسة فأساؤوا للدين ولم يكسبوا السياسة، والحق يقال أن ما كان ثورة للكرامة والحرية صار بعد عام 2014 ثورة للإخوان المسلمين ثورة الغزوات والغنائم والحور العين والخلافة المنشودة، التي يصرّ هؤلاء من يعتبرون أنفسهم أولياء الله على الأرض على أنها ستكون أفضل من خلافة داعش.

وبهذا ومن خلال أخطائهم السياسية أراد الإخوان أن يُدخلوا السوريين في دهاليز مشاكلهم ورؤيتهم القاصرة، متناسين الهدف الرئيسي الذي خرج من أجله السوريين ضد نظام الإجرام الأسدي، وأوجدوا بالمقابل لثورتهم المتخيلة والمصادرة والممسوخة سياسييها وعسكريها وإعلاميها وشبكاتها الإغاثية ومجالسهم المحلية،

لقد فشل مسعى الإخوان وخسرت كفة الشعب وربح الأسد، ليس فقط للأسباب التي ذكرناها سابقًا، بل هناك أخطر من ذلك وهو التحالف الوثيق بين جماعة إخوان سوريا ونظام الملالي الطائفي في إيران، الذي قتل ونكل في شعبنا وأغتصب نسائنا أكثر من عصابات الأسد بكثير، وكان أحد أهم الأعمدة التي استند عليها الأسد وسبب مباشر في بقائه حيًا حتى مرحلة التدخل العسكري الروسي في سوريا، هذا التحالف يهدف إلى منع سقوط الأسد، مقابل حصول الإخوان على حكم إدلب والشمال السوري مؤقتًا ، ريثما ينضج الحل النهائي والذي سيشارك فيه الإخوان نظام الأسد في الحكم، وهذا ليس سرًا من أسرار جماعة إخوان سوريا إنما تذكيرًا بما صرح به نائب المرشد العام للجماعة فاروق طيفور منذ عام 2013 لإحدى القنوات التلفزيونية، والذي أكد فيه على وجود اتصالات مستمرة مع نظام الملالي في طهران ورغبة طهران في تسليم السلطة لإخوان سوريا نتيجة ثقتهم الكبيرة بهم، ترافقت هذه التصريحات مع زيارات متكررة من ممثلي الإخوان في المجلس الوطني والائتلاف إلى طهران وإلى الضاحية الجنوبية في بيروت ولأكثر من مرة، وهذا يبدو هو الحلم الحقيقي لهذه الجماعة، التي يتمتع أغلب قادتها بفكر مخابراتي متأثرين بارتباطهم عضويا بالكثير من أجهزة المخابرات العربية والدولية على مدى عشرات السنين، بعيدين ومنبوذين من السياسيين وأصحاب الفكر العربي والأجنبي بعيدين في ممارساتهم عن الإسلام والدبلوماسية، والتي أثبتت الوقائع على الأرض أن مشروعهم ليس له أي علاقه بالشعب السوري وتضحياته والدماء السورية التي سفكها سفاح العصر، بل جل أهدافها ينحصر في حكم قطعة أرض صغيرة بحجم زريبة في السوق أو المشاركة في الحكم مع من قتّل شعبنا وأغتصب حرائرنا ودمر بلدنا وإن وصل الأمر إلى فناء الشعب السوري بأكمله.

هؤلاء هم الإخوان المسلمين السوريين ومسيرتهم المخزية والتي لن يجلبوا لأنفسهم إلا العار وللإسلام إلا إلصاق تهمة الإرهاب به، ويبدو أن هذه هي مهمتهم الأساسية كتنظيم استخباراتي مثله مثل داعش والنصرة وأخواتهم وهي محاربة الإسلام وتفكيكه والقضاء عليه بغطاء إسلامي من أصحاب الذقون المزيفة التي على استعداد لبيع أغلى ما تملك في سبيل تحقيق مصالحها الشخصية الضيقة ولو على حساب دماء الأبرياء من الشعب السوري وهذا الهدف هو القاسم المشترك بينهم وبين عصابات الأسد.

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.

الأخوان المسلمينسورياإيرانالسوريونالإسلام