picture

إسماعيل خلف الله

من ثورة 05 أكتوبر إلى انتفاضة 22 فبراير

تُعتبر أحداث الخامس من أكتوبر 1988م ثورة عربية سابقة للأوان، كيف لا وهي التي كانت السبب الرّئيس والمباشر في دخول الجزائر عهد التعددية والانفتاح السياسي.

هذه الأحداث وضعت حدًا لهيمنة الحزب الواحد على المشهد السياسي الجزائري ولو من النّاحية النظرية، ومن الواضح أنّها كانت سببا مباشرًا في التّحول الكبير للمنظومة السياسية الجزائرية، فترى ما هي الدوافع الحقيقية التي أشعلت لهيب هذه الأحداث؟

إنني أتذكر جيدًا تلك الأزمة الاقتصادية التي عرفتها الجزائر عام 1986م، وكيف كنّا نذهب منذ الصباح الباكر إلى الأروقة الجزائرية وسوق الفلاح؛ علَّنَا نفوز بعلبة قهوة أو طماطم أو قارورة زيت، داخل الصفوف الطويلة للجموع الغفيرة من المواطنين ولساعات طوال.

فلقد كان للانهيار الكبير والمفاجئ لأسعار النّفط الصّدمة الكبرى على الاقتصاد الجزائري، والسبب المباشر لفقدان المواد الغذائية الأساسية من السّوق الجزائرية، والتّضخم الكبير الذي تجاوز 42% حيث وصل سعر برميل البترول آنذاك إلى أقل من 10 دولارات بعدما كان يساوي 35 دولار في 1981م، وحيث إنّ ميزانية عام 1986م كانت مبنية على أساس سعر مرجعي هو 24 دولار للبرميل، وكنتيجة حتمية انهارت القدرة الشّرائية للمواطن الجزائري.

فقد انخفض معدل النّمو الاقتصادي ما بين عامي 1986و1987 إلى 1%، إذ كان في سنة 1985 يُقدر بـ 3.5 %، كما انهارت عوائد الصّادرات بأكثر من 42 % بقيمة إجمالية قدرها 7.4 مليار دولار في عام 86 نفسه، مما دعى بالحكومة الجزائرية آنذاك أن تطلب قروضا ومساعدات خارجية، وهذا بتبنّيها بطبيعة الحال خيار الإصلاحات من صندوق النّقد الدّولي والمؤسسات الدّولية الأخرى والتي كانت هذه الأخيرة تضغط على الحكومة الجزائرية بلا رحمة ولا شفقة، فارتفع حجم الدّين العام، إذ إنّ ديون الجزائر الخارجية في تلك السنة وصلت إلى 21 مليار دولار.

وباجتماع هذه العوامل التي تركت آثارا سلبية على الاقتصاد الجزائري، وهذا من خلال تدهور المستوى المعيشي وارتفاع نسبة البطالة، وزيادة تفاقم العجز في إنجاز السكنات الاجتماعية، دخلت الجزائر ومن الباب الواسع في أزمة اقتصادية حادّة، وبدأت ملامح الانفجار الاجتماعي تلوح في الأفق.

 وبالفعل خرجت الفئات الشعبية وخاصة الشبابية منها إلى الشوارع في العديد من المدن الجزائرية، ولعلّ أكثرها كان متمركزًا في الجزائر العاصمة، وهذا في الخامس من أكتوبر 1988م.

 هذا الخروج في بداية الأمر كان عبارة عن مظاهرات عادية للمطالبة بتحسين الظروف الاجتماعية والسياسية، ثم انزلقت الأمور وتحولت هذه الاحتجاجات والمظاهرات إلى أعمال تخريب وحرق للأملاك العامة والخاصة، ووصل الحد إلى محاولة اقتحام منازل عدد من الشخصيات التي كانت تنتمي لمنظومة الحكم آنذاك.

 واستمرت الأحداث هكذا في اليوم الخامس والسادس والسابع من أكتوبر إلى أن تم فرض حظر التّجول ليلا في العاصمة وضواحيها، حيث انتشرت قوات الجيش الوطني الشعبي عبر كامل أحياء العاصمة. والملفت للانتباه أنّ عمليات نشر القوات الأمنية قد تخلّلها توقيف عدد كبير من الشباب، وسقوط 169 ضحية حسب الإحصاءات الرّسمية، غير أن هناك إحصاءات أخرى تقول إنّ هذا العدد يفوق 500 ضحية والآلاف من المفقودين قسرًا.

كل هذه الأحداث دعت النظام السياسي الجزائري القائم على الحزب الأوحد آنذاك إلى البحث عن مخرج وحل لهذه المعضلة.

وبالفعل خرج الرّئيس الشاذلي بن جديد في العاشر من أكتوبر على التلفزيون الجزائري، وألقى ذلك الخطاب على الشعب الجزائري، دعى من خلاله إلى التّعقل والكف عن العمل التخريبي، وقدّم وعودًا بإجراء إصلاحات عميقة وفورية في المجال السياسي وفي القطاع الاقتصادي.

وبالفعل خرج دستور 1989م إلى النّور والذي أقرَّ التعددية الحزبية، وفتح المجال لإنشاء الأحزاب السياسية والجمعيات، كما أعطى هذا الدستور الضوء الأخضر للصحافة والإعلام من خلال السّماح بإنشاء الصحف الحرّة المبنية على حرية التعبير. كما فتح المجال الاقتصادي للقطاع الخاص الذي كان تحت هيمنة القطاع العام. ومن هنا وبهذه السرعة تم ميلاد الرّبيع الديمقراطي الجزائري والذي كان سابقا لأي ربيع عربي، من خلال التّحول الواضح إلى النظام السياسي الديمقراطي المبني على الإرادة الشعبية.

غير أنّ فرحة هذا الرّبيع لم تدم طويلا، حيث تم وأدها في ذلك اليوم المشؤوم في الحادي عشر من شهر جانفي 1992م عندما قام مجموعة من كبار الضباط الاستئصاليين في الجيش الجزائري بالانقلاب على الديمقراطية.

وتم هذا بإقالة الرّئيس الشاذلي بن جديد، وإلغاء النتائج الأولية للانتخابات التّشريعية والتي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية المقاعد في الدور الأول، والتي جرت في 26 ديسمبر 1991م، كما تم توقيف المسار الانتخابي، وإعلان حالة الطوارئ، وأُلغي العمل بالدستور، وتم إنشاء المجلس الأعلى للدولة.

إن الانقلاب على العملية الديمقراطية وتوقيف المسار الانتخابي كان سببا مباشرا في أن يجعل الشعب الجزائري يعيش عشرية دموية سادت فيها مظاهر العنف والارهاب أغلبية مناطق الوطن، ودخلت الجزائر من خلالها نفقًا مظلمًا، وكانت نتيجة ذلك هلاك أكثر من 250 ألف ضحية وخسائر مادية فاقت 25 مليار دولار.

في ربيع 1999 ييتم اجراء انتخابات رئاسية، أين انسحب  ستة مرشحين بسبب انحياز الجيش لعبد العزيز بوتفليقة الذي مكث على رقاب الجزائريين لمدة عشرين سنة، أين أسس في هذه الفترة منظومة للفساد الممنهج والمقنن، وأصبح الحكم حكم عصابة خاصة عندما أصيب بجلطة دماغية في عام 2013، حينها أصبحت الجزائر رهينة في يد شقيقه  السعيد بوتفليقة.

 وقد عزم القوم على تقديم الرجل المقعد والذي يعاني من حالة مرضية معقدة وهو لا يملك لا الوعي ولا الادراك ولا حتى القدرة على حمل ورقة صغيرة، إلى عهدة خامسة غير مبالين بكرامة خمسة وأربعين مليون جزائري.

إصرار العصابة الحاكمة على فرض بوتفليقة لعهدة خامسة عجّل بميلاد انتفاضة 22 فبراير السلمية  التي أنهت عشرون سنة من حكم بوتفليقة.

وقد مرّت هذه الانتفاضة بعدة محطات هامة ومنعرجات حاسمة، لكنها حافظت على سلميتها من خلال الخروج في الجمعات وفي ثلاثاء الطلبة.

ربما هذا المقال لا يسعنا لذكر كل المحطات في عمر هذه الانتفاضة السلمية، التي كانت حاسمة في المشهد الساسي الجزائري بمرافقة المؤسسة العسكرية، لهذا التسونامي السلمي.

لكننا نستطيع القول بأن انتفاضة 22 فبراير 2019 هي حلقة لا يمكن فصلها عن انتفاضة 05 أكتوبر 1988، بل هي مكملة لها، وربما الفارق الوحيد بينهما هو عنصر السلمية والصورة الحضارية الذي تميز بها حراك 22 فيفري، على عكس ثورة 05 أكتوبر التي قابلها الجيش آنذاك بالرصاص الحي الذي أودى بحياة الكثير والكثير من شباب الجزائر.

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©

الجزائرالمنظومة السياسيةالاقتصاد الجزائريالفلاحالثورة