picture

إسماعيل خلف الله

الحراك الشعبي الجزائري بين الانتخابات والمقاطعة (ج1)

لا أحد يشك في أن انتفاضة 22 فبراير 2019  السلمية، هي فترة حاسمة في تاريخ الجزائر، التي ثارت ضد إصرار منظومة بوتفليقة على تقديم عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة رغم ما يعانيه من فقدان الوعي والحالة المرضية المعقدة، حتى إنه لا يستطيع حتى على التلفظ بأبسط الكلمات.

ورغم الرفض الشعبي لهذا الأمر تم الإعلان عن ترشحه لعهدة خامسة في الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 نيسان/ أبريل 2019.

هذا القرار أنهى به عبد العزيز بوتفليقة شهوراً من التكهنات حول إعادة ترشحه لعهدة جديدة، مما كان لهذا الاعلان صدمة كبيرة في الأوساط الشعبية سواء داخل الجزائر أو خارجها، وهي ما نتج عنها حالة من الغليان، بدأ افتراضياً على مواقع التواصل الاجتماعي ثم انتقل إلى احتجاجات ميدانية عارمة رافضة.

فمن العالم الافتراضي انطلق الحراك الشعبي ضد ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة في بادئ الأمر عبر دعوات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ الخروج فعليا في مظاهرات عارمة في 22 فبراير شهدتها الجزائر العاصمة وأغلب المدن الجزائرية فاق تعداد المتظاهرين العشرين مليونا أغلبهم من الشباب.

ما تميزت به هذه المظاهرات بالسلمية التامة رغم الانتشار الأمني غير المسبوق، ولم ينكسر ولو زجاج نافذة واحدة، حتى إن المسيرات كانت تنتهي بتنظيف الشوارع والساحات العامة.

هذه المظاهرات والاحتجاجات شارك فيها مختلف أطياف المجتمع الجزائري شبابا وكهولا وشيوخا ومن مختلف النقابات والقطاعات، كنقابة المحامين والقضاة والأطباء والصحفيون والطلبة والعمال ومتقاعدي الجيش وغيرها، وحتى صحفيو التلفزيون الرسمي والإذاعة العموميتين، شاركوا فيها لأول مرة في تاريخ الجزائر.

هذه الانتفاضة السلمية استطاعت أن تحرر الجميع، فلقد حررت القضاء والسياسة والاعلام وغيرها من القطاعات المختلفة، وفي المحصلة استطاعت أن تنهي الحقبة البوتفليقية وتفتح الباب واسعا نحو عهد جديد يسمح بتعبيد الطريق لتأسيس نظام ديمقراطي تُحترم فيه الإرادة الشعبية.

تتسارع الأحداث وتتساقط رؤوس منظومة الفساد البوتفليقي، بل ويُرمى بها في سجني البليدة العسكري وسجن الحراش المدني، ويتم محاصرة الأذرع المالية والسياسية والأمنية لها.

في البداية معظم الشعب الجزائري لم يُصدق ما يحدث، واعتبرها البعض على أنها مسرحيات، ووسيلة لإلهاء الحراك الشعبي السلمي على مطالبه الرئيسية، والتي على رأسها الذهاب إلى التغيير الديمقراطي الحقيقي، والبعض الآخر اعتبرها ضمن صراع أجنحة السلطة الأمنية والسياسية والمالية، بينما اعتبرها آخرون بأنها حقيقة وهي جرأة وشجاعة من قيادة المؤسسة العسكرية، وبالتالي حُق لهذه المؤسسة أن تقود مرحلة التغيير من النظام القديم إلى النظام الديمقراطي.

سأتوقف هنا ولا أناقش هذه الآراء في هذه القضية، وأنتقل إلى قضية أخرى وهي كون مكون الحراك الشعبي لم يذهب إلى إخراج قيادة تتكلم باسمه وتفاوض وتحاور السلطة باسمه، بل لم يُخرج لحد كتابة هذه الأسطر أحزابا وتنظيمات وشخصيات يمكن أن تكون بديلا حقيقيا لما كان موجود في الحقبة البوتقليقية.

ولهذا كان الحراك معرضا لمحاولات الاختراق والركوب وحتى استغلاله لتحقيق أجندات سياسية وأيديولوجية وفكرية من بعض الأطراف والتيارات.

وبدون الحديث على محاولات تقسيم هذا الحراك، تارة باستعمال العامل الأيديولوجي والفكري، وتارة باستعمال العامل العنصري والجهوي، وتارات أخرى باستعمال عوامل أخرى.

في خضم هذه الأحداث تقوم العديد من الشخصيات والتنظيمات الحزبية والنقابية وفعاليات المجتمع المدني بتقديم العديد من الأرضيات والمقترحات كحل للانسداد الذي يشهده المشهد السياسي الجزائري.

 السلطة لم تُورط نفسها وتأخذ مقترح هذا وتترك مقترح الآخر، فقامت بوضع مقترحات للخروج من الأزمة، من أهمها أن ذهبت إلى تشكيل لجنة حوار قاطعتها العديد من التيارات الحزبية والشخصيات التي كان يعرضها الحراك الشعبي لكي تقود المرحلة الانتقالية التي كانت في البداية مطلب الكثير من مكون هذا الحراك، لتصبح فيما بعد نقطة خلاف بين مُطالبٍ بها وبين من هو رافض لها.

تتشكل لجنة الحوار برئاسة وزير ورئيس المجلس الشعبي الوطني السابق السيد كريم يونس، وتقوم هذه الأخيرة بطرح خلاصة تقول أنها استخلصتها من لقاءات جمعتها بالفعاليات السياسية والنقابية التي التقت بها.

 وطرحت مقترحين الأول حول تعديل جزئي للقانون رقم 16-10 المتعلق بالانتخابات، في شقه المتعلق بعملية الإشراف والتنظيم التي كانت تقوم به الادارة ممثلة في وزارة الداخلية عبر الولاة ورؤساء الدوائر والبلديات، ووزارة الخارجية عير السفارات والقنصليات في الخارج.

 والمقترح الثاني حول اقتراح القانون المنشئ للسلطة المستقلة للانتخابات.

يُقدم هذين المقترحين لعبد القادر بن صالح بصفته رئيسا للدولة، هذا الأخير يمرره للبرلمان بغرفتيه أين تمت المصادقة عليه، وأصبح قانونا نافذا.

 بالموازاة مع هذا يقوم الفريق أحمد قايد صالح بتقديم خطاب تضمن الاشارة إلى ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع الآجال، وإمكانية استدعاء الهيئة الناخبة في 15 سبتمبر 2019.

تُشكل السلطة المستقلة للانتخابات ويتم تزكية وزير العدل السابق محمد شرفي رئيسا لها.

بعدها مباشرة يقوم رئيس الدولة عبد القادر بن صالح باستدعاء الهيئة الناخبة يوم 15 سبتمبر 2019، ويتم تحديد تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية ليكون يوم الخميس 12 ديسمبر 2019.

تحديد تاريخ إجراء هذه الانتخابات، يُصبح قضية خلافية داخل مكون الحراك الشعبي وكذلك داخل  الطبقة السياسية، فمنهم من يرى أن الانتخابات الرئاسية ليست حلا، مادام هناك رموز من المنظومة القديمة ما زالت تتصدر المشهد، وكذلك داخل من يرى أن هذه الانتخابات هي الحل للانسداد السياسي الذي تشهده الجزائر، ولكن المدة غير كافية للتحضير لها وحتى المناخ والضمانات الحقيقية غير متوفرة بالقدر الكافي لإجرائها. 

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©

 

الجزائرعبد القادر الصالحالانتخاباتالانسداد السياسيالانتخابات الرئاسيةالبرلمان