picture

شوقي برنوصي

قيس سعيّد في حوار لمجلّة فرنسيّة: هل أبدو سلفيّا؟

مثّلت نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسيّة التونسيّة يوم 15 سبتمبر 2019 مفاجأة لعديد المتابعين للشأن العام التونسي. تنافس في هذه الدورة الأولى ستّة وعشرون مترشّحا اختلفوا في حجم حملتهم وطرق الترويج لبرامجهم وأفكارهم، وجمعتهم لأوّل مرّة مناظرة تمّ بثّها مباشرة على عديد القنوات التلفزيّة والإذاعية.  أفرزت هذه الانتخابات عن فوز مترشّحيْن: قيس سعيّد ونبيل القروي. إذا كان الرجل الثاني معروفا بأنشطته الخيريّة وامتلاكه قناة تلفزيّة معروفة، وتعاطف معه البعض لاعتقاله بسبب شبهة تبييض الأموال إثر قضيّة رفعتها منظّمة أنا «يقظ» وسرّعها رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعد صعود أسهم القروي في سبر الآراء. يبقى الاسم الثاني مجهولا نسبيّا ويرفض إجراء حوارات قي القنوات التونسيّة رغم أنّه قبل حضور حوار مصوّر مع قناة الجزيرة القطريّة مؤخّرا.

يقول محلّلون أنّ تكتّم قيس سعيّد ساهم في صعود شعبيّته في الدور الأوّل،  لكن وبعد أن حلّ في المرتبة الأولى في الانتخابات الرئاسيّة التونسيّة صار محلّ متابعة من الجميع  في سباق محموم لمعرفة رؤيته المستقبليّة لتونس وبرنامجه لإصلاح المشهد السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ لو فاز بالدور الثاني.  صدر حوار لقيس سعيّد يوم الجمعة 20 سبتمبر 2019 حوار مطوّل لصحيفة «Le Nouvel Observateur» الفرنسيّة، ونقدّم لكم أهمّ ما جاء على لسان الرجل.

الانقلاب المشروع على الشرعيّة!

علّل مفاجأة الانتخابات التونسيّة سبب نجاحه أنّ الحملة التي يقوم بها ليست حملة انتخابيّة بأتمّ معنى الكلمة، وأنّها تخالف المعتاد على جميع الواجهات. قال أنّها حملة تفسيريّة تهمّ الشباب خاصّة، بيّن فيها أنّ شعبا ذا سيادة يمكنه أن يكون الفاعل الرئيسيّ في البلاد عبر أدوات قانونيّة أخرى. إذ دخل الشعب التونسيّ مرحلة جديدة في التاريخ، تخطّت فيها الأفكار الجديدة المفاهيم التقليديّة للدولة المرتكزة على المجتمع المدني والأحزاب والديمقراطيّة. أكّد أنّ تونس شهدت في ديسمبر 2010 ثورة فريدة، لكنّ ما يحصل هذه الأيّام تسلسل منطقيّ لها ولكن بأسلوب جديد: ثورة وسط إطار الشرعيّة الدستوريّة. انقلاب مشروع على الشرعيّة الموجودة ومرتكزة على إرادة الشعب، وتواصل للثورة لكن وسط إطار دستوريّ. قال «نحن نحترم القواعد، لكن سنبتدع بها نظاما جديدا»

بيّن سعيّد أن عمليّة الانتخاب التي أوصلته إلى الدور الثاني هي ثورة ضدّ الأحزاب السيّاسيّة أيضا وكلّ النظام السائد حاليّا. يمتلك الشعب رؤية أخرى في حين بقي محترفو السياسة سجناء لبرامج مستهلكة. رسم وصول قيس سعيّد- أستاذ القانون في الجامعة والناشط المدني-  نقاط استفهام عديدة في الشارع السياسيّ التونسيّ وأثار مخاوف جمّة، لكنّه بدّدها معلّلا بأنّ فوزه أتى بواسطة الدستور وشرعيّتة ويعدّ نفسه الرئيس الضامن  لعلويّة الدستور ولتواصل الدولة التونسيّة وسلطة القانون واحترام التعهدات الدوليّة مهما كان اسمه، واستغرب من سبب هذه المخاوف!

يتساءل الروبوكوب أو الروبيسبييير: هل أبدو سلفيّا ؟

يلقّبه البعض بالروبوكوب أو  روبيسبيير أو الجسم الطائر المجهول، لأنّه حقيقة عصيّ على الفهم بسبب قلّة ظهوره وغياب التعابير على وجهه خلال حواراته. يجهل قيس سعيّد لماذا يعتبره الناس لغزا ويقول أنّ تصريحاته والحلول التي يقدّمها واضحة. يعتبره بعض المراقبين شخصا محافظا جدّا. ينفي ذلك، بل يذهب إلى أنّ قيم المحافظة والحداثة مفاهيم يجب إعادة مراجعتها والأهم من ذلك هو التفاهم بين الشعوب. صرّح قيس سعيّد أنّه مع تنفيذ حكم الإعدام خاصّة بالنسبة إلى الإرهابيين، لكن في إطار محاكمة عادلة بطبيعة الحال.  وتساءل: هل أنّ الأمركيّين محافظون لأنّهم يبقون على عقوبة الاعدام؟ يعدّ الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغاؤها خيار لأمّة ما وليس من باب المحافظة. يقول «لا يعني الدفاع عن عقوبة الإعدام، أنّنا نتمنّى الشنق أو المقصلة لشخص ما، ولكن لأنّ هنالك جريمة. من الضروريّ أن يعمّ السلم الاجتماعيّ، وهذا واجب رئيس الدولة الرئيسيّ.»

لا يعتبر موقفه من عقوبة الإعدام الأمر الوحيد الذي يدرجه في صفّ المحافظين، ولكن رأيه في المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة. يقول أن هنالك فرق كبير بين المساواة والعدالة. يمكن أن تكون هذه الأخيرة شكليّة واستشهد بمقولة لجورج فيديل خبير القانون الفرنسي، الذي اعتبر المساواة مفهوما غامضا. هل كلّنا متساوون؟ تساءل سعيّد وصرّح أنّ النظام القانونيّ التونسيّ الخاصّ بالميراث مرتكز على العدالة لا على المساواة الشكليّة، وأنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في العدالة لا في المساواة. بني هذا النظام القانونيّ على مفهوم التوزيع المنصف، والإنصاف هو روح المساواة نفسها كما قال فيكتور هوغو، والإنصاف هو الهدف لا المساواة الشكليّة.

وحول موقفه عن تجريم المثليّة الجنسيّة خاصّة في ظلّ وجود الفصل 230 من المجلّة الجنائيّة التونسيّة، قال سعيّد أنّ كلّ شخص حرّ فيما يخصّ علاقاته الحميمة وأنّ الدولة أو السلط العموميّة لا يجب عليها التدخّل في الدائرة الخاصّة للناس. لكن يجب احترام قيم المبطنة لأيّ مجتمع، لأنّ الحريّة الفرديّة وسط الفضاء الحميم شيء ووسط الفضاء العمومي شيء آخر! يجب على مفهوم ما بعد الحداثة أن يكون خلاصة لكلّ الحضارات ويجب الأخذ بعين الاعتبار قيم المجتمع الخاصّة به. تحمي القوانين والتشريعات الفضاء الحميميّ لكلّ شخص، لكن مع احترام قيم المجتمع.

صنّف بعضهم سعيّد بعد أوّل يوم من الانتخابات بأنّه سلفيّ، لأنّ صورة على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرته برفقة رئيس حزب التحرير السلفي في تونس. «هل أبدو سلفيّا؟» تساءل سعيّد وعقّب هل أن استشهاده بفولتير وفيكتور هوغو يدرجه في خانة السلفيّين؟ أكّد أستاذ القانون الدستوريّ أنّه لا ينتمي لأي حزب، وأنّه مستقلّ وسيبقى كذلك.

صرّح قيس سعيّد أنّ أولى زياراته ستكون للجزائر لو وصل إلى كرسيّ الرئاسة. يملك هذا البلد تاريخا ومستقبلا مشتركا مع تونس، وسوف تكون هذه الزيارة خطوة لخلق سبل أخرى تدعم الوحدة المغاربيّة وتتجاوز مفهوم الفيدرالية الكلاسيكيّ. أكّد سعيّد أن سياساته الخارجيّة لن تقتصر على دول الجوار، بل ستشمل فرنسا وأوروبا. يقول«هذه علاقات أملتها علينا الجغرافيا التي لا نستطيع تغييرها، أهمّ شيء هو التفاهم بين الشعوب وسيادة البعد الإنساني. يجب علينا أن نجتاز لحظات الاضطراب، ونتعاون لنبني مستقبلا مشتركا». من جهة أخرى، أكّد أن تونس يتعيّن عليها أن تنفتح على الصين التي ضاعفت استثماراتها في القارة الإفريقية أو على دول الخليج، كلّ ذلك يجب أن يتوافق مع مصالح الشعب التونسيّ.

«منذ ستّين عاما ونحن نبحث عن سكّة، لكن لم نجد العربات ولا القاطرة!»

يقول قيس سعيّد«منذ ستّين عاما ونحن نبحث عن سكّة تضمن العدالة الاجتماعيّة في البلاد، لكن لم نجد العربات ولا القاطرة!» يؤكّد أنّ الدولة يجب أن تجد تقنيات أخرى للتدخّل في الجانب الاجتماعيّ، ليس في جانب حقوق المواطنين ولكن من جانب حقوق الإنسان الأساسيّة: أي الحقّ في الصحّة والتعليم والكرامة. تتطلّب هذه الخدمات الحكوميّة أموالا بطبيعة الحال، وتجابه تونس في هذه الفترة انهيارا تاما للخدمات الحكوميّة. يجزم أنّ التوزيع المنصف للثورة ودفع الأداء سيساهم في إصلاح الأوضاع.

يؤكّد قيس سعيّد أنّه يريد أن ينتقل بتونس من «دولة القانون» إلى ما يسمّى «مجتمع القانون». يمثّل القانون الإرادة العامّة كما قال جان جاك روسو، وعلى كلّ فرد أن يستبطن القيم والقواعد الخاصّة بالمجتمع لأنّها تعبّر عن إرادته. تضمن التربية والوسائل القانونيّة كلّ ذلك. يتمنّى قيس سعيّد أن يصل التونسيّون إلى هذا المستوى من الوعي، وسيحرص على منح كلّ الوسائل لجعل المواطنين فاعلين حقيقيّين وكي يصير القانون التعبير الوحيد للإرادة الجماعيّة. صرّح أيضا أنّه سوف يراجع المدّة النيابيّة للمنتخبين حتّى يعزّز مسؤوليّاتهم أمام الناخبين، وذلك عبر إصلاحات تتمثّل في مراجعة الدستور، خاصّة النظام الانتخابيّ المبنيّ على القائمات الحزبيّة الذي يعتبره المفكّر الفرنسيّ لامارتين «عارا». لأنّ المنتخبين تمّ انتخابهم لا لأنّهم يمثّلون الشعب، بل لأنّ أحزابهم وضعتهم على رؤوس القائمات. 

 

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©

الانتخابات الرئاسيةتونسقيس سعيدالقانونالعدالة الاجتماعية
  • مقالات الكاتب