picture

إسماعيل خلف الله

الحراك الشعبي الجزائري بين الانتخابات والمقاطعة- ج ٢

وصلنا في الجزء الأول من هذا المقال إلى مسألة تحديد تاريخ إجراء هذه الانتخابات في 12 ديسمبر 2019، وكيف أصبحت قضية خلافية داخل مكون الحراك الشعبي بما فيها المنظمات المهنية والحقوقية والأحزاب السياسية، فمنهم من يرى أن الانتخابات الرئاسية ليست حلا، مادام هناك رموز من المنظومة القديمة ما زالت تتصدر المشهد،

ومن يرى بان هذه الانتخابات هي الحل للانسداد السياسي الذي تشهده الجزائر، فإن المدة غير كافية للتحضير لها وحتى المناخ والضمانات الحقيقية غير متوفرة بالقدر الكافي لإجرائها.

في البداية أريد أن أشير إلى مسألة، أرى بأنها مهمة، فالمشهد الجزائري حسب تصوري أرى بأنه ينقسم إلى ثلاث فئات رئيسية:

الفئة الأولى والتي بدورها تنقسم إلى قسمين، قسم مطبل للسلطة مهما كان لون هذه السلطة، فهو يعتبر كل ما تصدره وما تقره هذه الأخيرة هو عين الصلاح وعين الحكمة والرشاد، وهذا القسم يتشكل من أحزاب الموالاة الكلاسيكية والجديدة، فهي من كانت توالي وتُطبل لمنظومة بوتفليقة، وهي الآن تقوم بتغيير الواجهة لا أكثر ولا أقل، ولعل هذا القسم ما يزيد السلطة الجديدة عبئا واستفزازا للشارع لما تتصف به من نفاق سياسي، وعدم الثبات على المبادئ والقيم، والسرعة إلى التخندق مع المصالح الذاتية والآنية دون تفكير ولا تبصر.

والقسم الثاني من هذه الفئة يرى بأن النتائج التي تم تحقيقها، ما كانت لتكون لو لم تتخندق المؤسسة العسكرية مع الحراك الشعبي، وتحيطه بالحماية والرعاية، من أي تفخيخ أو عنف يمكن أن ينتج عن العصابة التي سقطت عن طريق بلطجية تستعملهم لذلك، بل وحاولت مرارا وتكرارا لذلك.

والأهم من ذلك في نظر هذا القسم دائما، هو ما كان لأحد أن يتصور رؤوس العصابة التي كانت تتحكم في زمام السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية والاعلامية، تُنزع منها هذه السلطة ويُزج بها في سجن الحراش المدني، وسجن البليدة العسكري، وبالتالي فهذا القسم يرى بأن الانتخابات الرئاسية والتعجيل بها هو الرأي السديد كما تراه السلطة.

الفئة الثانية حسب اعتقادي ترى بأن هذه الانتخابات الرئاسية هي مخرج وحل للانسداد السياسي الذي تشهده الجزائر، بل هي من مطالبها، ولكنها متوجسة ومتخوفة من احتمالية التفاف السلطة على مطالب الحراك الشعبي، أو ربما ترى بأن المنظومة القديمة تريد أن تقوم بعملية رسكلة لنفسها بنفسها، وكل هذا عبارة عن مناورات تقوم بها لتستعيد المشهد من جديد، بثوب جديد، وبواجهة جديدة.

وهي ترى بأن هذه الانتخابات الرئاسية لا يمكن لها أن تكون نزيهة وشفافةإلا إذا تم توفير الأدوات والآليات والمناخ المناسب لذلك، وربما أن المدة غير كافية لكون تاريخ اجرائها حُدد بيوم 12 ديسمبر 2019.

وأعتقد أن هذه الفئة تمثل مساحة شاسعة داخل مكون الحراك الشعبي وأيضا داخل منظومة الأحزاب السياسية، والمنظمات وفعاليات المجتمع المدني.

الفئة الثالثة بدورها تنقسم إلى قسمين، قسم منها ينتمي إلى مكون الحراك الذي ليس له انتماء سياسي أو أيديولوجي، وهو يرى بأنه لا حل إلا بذهاب كل منظومة الحكم وكل ما يرمز لها من شخصيات وتشريعات، ويمكن أن يحدث ذلك في نظرها بوضع مرحلة انتقالية يتم اختيار شخصية تقودها أو مجلس تأسيسي يُختار له عدة شخصيات تقوده وتقود المرحلة الانتقالية، وبالتالي فهذا القسم يرى بأن هذه الانتخابات الرئاسية ليست بالحل، وإنما هي وسيلة للسماح للمنظومة القديمة بالبقاء من جديد مهما كان شكل هذه الانتخابات.

والقسم الثاني من هذه الفئة أعتقد أن له توجه سياسي و أيديولوجي واضح، ويرى أن بناء الدولة المدنية كما يراها هو يتطلب ضرورة القضاء على كل رباط ديني وروحاني يظهر في تشريعات الدولة بل وتقره خاصة ما تعلق بوثيقة الدستور التي تعتبر المرجع الأساسي للحاكم وللشعب، وعليه وجب إلغاء الدستور القديم وفتح ورشة عريضة لرسم دستور جديد، ولا تهم المدة التي تستهلك لذلك،

ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق تشكيل مجلس تأسيسي يستلم كل السلطات والصلاحيات ليقوم بإحداث هذا التغيير، وبالتالي فإن هذا القسم يرى بأن الانتخابات الرئاسية ليست بالحل ولا يمكن أن تكون حلا، فهو يرفضها رفضا مطلقا، وخاصة إذا تمت بكل شفافية فإنها لن تخدمه، بل ستقصيه وتمسحه من الساحة السياسية، لأننا نعتقد بأن هذا القسم ليس له امتداد داخل المجتمع الجزائري، وخاصة في الجزائر العميقة، وفيه من وقف مع الانقلاب على العملية الديمقراطية وتوقيف المسار الانتخابي في جانفي 1992 من طرف قيادة الجيش وبأمر من وزير الدفاع خالد نزارآنذاك، وهي الآن تنصب العداء لقيادة الجيش لأنها لم تحلب في إنائها.

بعد استعراض مواقف الفئات الثلاثة بأقسامها من مسألة إجراء الانتخابات الرئاسية، أعلم جيدا أن القارئ الكريم ينتظر رأيي ضمن مختلف هذه الآراء فأقول:

كلنا يعلم بأن انتفاضة 22 فبراير المباركة، قد قامت في البداية ضد ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، ليرتفع سقف المطالب فيما بعد إلى المطالبة برحيل المنظومة البوتفليقية برمتها، والذهاب إلى تأسيس نظام ديمقراطي يساعد على بناء دولة الحق والعدل والقانون.

أعتقد بأن تعديل القانون العضوي 16-10 المتعلق بالانتخابات، وإنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مكسبا حققه الحراك الشعبي المبارك، وخطوة إيجابية باعتبارها مطلبا شعبيا ناضل من أجله المخلصون لهذا الوطن لسنوات طويلة، رغم تحفظنا على طريقة تشكيلها.

بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة اتخاذ المزيد من الاجراءات والتدابير التي تذهب إلى طمأنة الجماهير الشعبية، وتوفير المناخ المناسب لاستعادة الثقة الشعبية المفقودة في آلية الانتخابات، وإطلاق سراح كل الموقوفين بسبب الانتفاضة المباركة، وفتح وسائل الاعلام العمومية والخاصة للتعبير عن الرأي دون تمييز بين مجموع الجزائريين على اختلاف ألوانهم وآرائهم ومشاربهم، وتمكين الكفاءات ذات النزاهة أن تكون أعضاء أساسية ضمن المندوبيات التابعة للسلطة المستقلة للانتخابات على مستوى الولايات والبلديات والقنصليات.

كما يجب التأكيد على ضرورة رحيل بدوي وحكومته التي ما زال عنصر استفزاز حقيقي للشارع الجزائري، لما يحمله عنه من صورة سوداوية حول آلة تزوير حقيقية قادها على مستوى وزارته، مركزيا، وعبر ولاته ورؤساء دوائره، محليا، في الانتخابات التشريعية والمحلية 2017 واستمارات رئاسيات بوتفليقة 2019، وذهاب هذه الحكومة في نظري يُعتبر عربون حسن النية.

فإذا تحقق هذا فإنني أرى بأن انتخابات 12 ديسمبر 2019 الرئاسية تعتبر مفتاحا للحل لهذا الانسداد الذي تشهده الجزائر، ومحطة يختار فيها الشعب الجزائري رئيس الجمهورية بكل حرية وديمقراطية وشفافية تحت مضلة احترام الارادة الشعبية.

 

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©

الجزائرالجماهير الشعبيةنظام ديمقراطي