picture

حميد زناز

العيش الكريم و الحق في الموت الرحيم

حينما تنتهي من قراءة كتاب الفيلسوفة البلجيكية نادية غيرتس "وستكون الظهيرة قصيرة / دفاعا عن الموت الرحيم"، ستتساءل معها عن جدوى بقاء المتألم على قيد الحياة و هو إلى الموتى أقرب إذ لم يعد للحياة عنده أي طعم سوى طعم العذاب .. في مستشفياتنا العربية مئات الحالات و لا نقاش في الموضوع بحكم هيمنة الدين و الفقهاء.

تسرد الكاتبة حكايتها مع والدتها في تلك الظهيرة التي رافقتها فيها إلى مستشفى ببروكسل لتعيش معها لحظاتها الأخيرة قبل أن تذوق الموت الرحيم بمساعدة أطباء و ممرضين.

رحلة تجسد على أرض الواقع إشكالية ميتافيزيقية في غاية الاهمية هي الحق في الموت: هل للفرد الحق في إنهاء مسار حياته متى شاء، بمعنى متى أصبح العيش معاناة مزمنة بسبب مرض عضال مثلا؟ هل نترك الحكام و رجال الدين يتحكمون في حياتنا و في مماتنا أيضا ؟

تكمن أهمية كتاب ناديا غيرتس في كونه ينتقل من التجربة الشخصية لوفاة الأم إلى التفكير الفلسفي والنظري والقانوني حول مسألة الحق في الانتحار أو الحق في القتل الرحيم، و الذي هو استعمال بعض التدابير الطبية في إطار قانوني صارم بهدف تعجيل وفاة المرضى المصابين بأمراض مستعصية يرغبون في الرحيل بإرادتهم و بكل حرية.

أم الكاتبة سيدة عجوز في الثمانين فقدت استقلاليتها الحركية، أصبحت تابعة للغير، غير قادرة على فعل أي شيء دون مساعدة. عاشت أربع سنوات على كرسي متحرك. لم تعد تطيق الوجود، ومع ذلك ، وعلى الرغم من طلباتها المتكررة ، فإنها لم تستطع الاستفادة من المساعدة العملية أو النشطة في مشروع موتها الذاتي لأن القانون البلجيكي لا يسمح بمساعدة الذين ليسوا في نهاية العمر. لقد تم قبول طلبها فقط عندما اكتشف طبيب مختص أنها تعاني من مرض عضال و لا أمل لها في الشفاء. هذا هو القانون في بلجيكا.

لقد تم برمجة رحيلها في المستشفى وتحكي لنا البنت الفيلسوفة في الكتاب عما جرى في الأيام التي فصلت بين القرار و تنفيذه. ألم الفراق القريب، احترام إرادة الوالدة، ذكريات الطفولة معها. لقد حضّرت الأم كل شيء، كلماتها الأخيرة لابنتها، اللباس الذي سترتديه يوم الرحيل إلى العالم الآخر.. و في بداية الظهيرة من ذلك اليوم المشهود ، غادرت الأم العزيزة ابنتها و هذه الدنيا إلى الأبد..

و في تلك اللحظة تنتقل ناديا غيرتس من امرأة شابة فقدت أمها في ظروف غير عادية إلى امرأة فيلسوفة عاشت تجربة الموت المختار و شرعت في التفكير في فلسفته و تاريخه و مشروعيته. تستعرض الكاتبة حجج رجال الدين اليهود، المسلمين،الكاثوليك و البروتستنت و هي حجج تقول باستحالة قبول الموت الاختياري. أولا لأن حياة الانسان هي في يد الله. و ثانيا لأن حياته مرتبطة بحياة جماعته الدينية. بكلمات أخرى يعتقد رجال الدين بأن حياة الإنسان ليس ملكا له و إنما هي بشكل من الأشكال ملك لجماعته الإثنية أو الدينية. تذكّر الكاتبة أيضا باعتراف المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان بحق الإنسان الفرد في وضع حد لحياته و لكن لا تلزم الدولة بمساعدته على ذلك لأن أغلبية الدول تهتم أولا بحماية الحياة. و تعطي المحكمة المذكورة سابقا الحق للدول في وضع تشريعات في مسألة الموت الرحيم.

تتبنى الفيلسوفة موقفا علمانيا متحررا من تأثير كل الأديان: " إذا كان مفهوما جدا أن يعتبر المؤمن أن حياته ليست ملكا له و بالتالي فليس له الحق في تحديد موعد نهايتها، فمن المنطقي أيضا أن يكون لغير المؤمن الذي يتصور حياته كشيء يخصه هو فقط أن يقرر نهايتها بكل بحرية".

و من هنا خلوصها إلى وجوب احترام حق الانسان في التصرف بجسده دون أخذ اعتقادات جماعته بعين الاعتبار. و لو أن هذا ليس بالأمر السهل إذ منذ العصور الوسطى كان الانتحار غير مستساغ في أوروبا و كان المنتحرون خارج العالم الاجتماعي و يجلبون العار لعائلاتهم. كانت العائلة تخفي المنتحر. أما اليوم فقد أصبح الحق في الموت الاختياري واقعا قانونيا في بلدان كثيرة : اللوكسمبورغ ، المكسيك، بلجيكا، النرويج، هولندا، بولونيا،البرتغال،المملكة المتحدة،اسكتلندا،السويد ،سويسرا، كندا،كولومبيا، الولايات المتحدة الامريكية ، إسبانيا. الدانمارك و فنلندا.

و من وجهة نظر طبية بحتة، تخفيف الألم جزء من قسم أبقراط. تلزم القوانين المتعلقة بنهاية الحياة (الشيخوخة المتأخرة) بالتخفيف عن المرضى. فلماذا لا يذهب هذا التخفيف إلى نهايته؟ و خاصة حينما تصل المعاناة إلى درجة لا تحتمل و الآلام غير قابلة للتخفيف!

أما عن "الكرامة الإنسانية" التي يرفعها المناهضون للموت الرحيم شعارا فتتساءل الكاتبة عن المقصود منها: ما هي ؟ هل هي كرامة الشخص؟ أم كرامة حياته ؟ يمكن أن تكون للفرد كرامة في كل الظروف، و لكن يجب أن نضع في الحسبان أيضا أن تلك الظروف المكونة لحياته قد تزول أحيانا و معها كرامته.

وحسب رؤية ناديا غيرتس فالسؤال ليس هو ما إذا كان القتل الرحيم عملا جيدا أم سيئا في حد ذاته ، وإنما ما هو متعلق بطبيعة الموقف الذي يجب أن نقفه في مواجهة معاناة الآخر؟ و الابتعاد عن الجدل الشائع حول الحق في الموت و التركيز على الاهتمام و الاستماع إلى الذين يرغبون في الموت و تقييم هذه الرغبة لنتأكد بأنها رغبة حرة مستقلة عن أي تأثير خارجي. و في حقيقة الأمر فإن حق الفرد في اختيار موته بكل حرية هو جزء من المعركة العلمانية و حركة التنوير. فمتى نهزم نحن العرب رجال الدين في الواقع و في أذهاننا؟

 

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©

الحياةالعيش الكريمالإنسانالحكامالتفكير الفلسفي